أنيس المجتهدين - النراقي، المولى محمد مهدي - الصفحة ٨٧٧ - ف ٢ ـ الخلاف في جواز النسخ قبل حضور وقت الفعل
والحقّ الأوّل ؛ لأنّ الفعل في الوقت الذي عدم فيه الوجوب إن لم يكن واجبا ، فلا يكون نفي الوجوب فيه نسخا ، وإن كان واجبا لزم توارد الأمر والنهي على محلّ واحد وهو محال ؛ لأنّ الأمر يقتضي حسنه. والنهي يقتضي قبحه ، وهما لا يجتمعان فيه ، ولأنّه إن كان حسنا يقبح النهي عنه ، وإن كان قبيحا يقبح الأمر به [١].
واجيب عنه باختيار عدم وجوبه في هذا الوقت ـ أي الوقت الذي قبل التمكّن ـ ومنع عدم النسخ حينئذ ؛ لأنّ هذا الوقت ذو أجزاء ، فالإثبات في بعضها والنفي في بعض آخر ، فأمر بالفعل في وقت ، ثمّ نهى عنه في وقت آخر هو وقت النسخ ، وكلا الوقتين من قبل وقت التمكّن ، فالتكليف وعدمه قبل وقت التمكّن في زمانين ، فلا تناقض إلاّ أنّ متعلّقهما هو الفعل في وقت واحد هو وقت التمكّن ، فالأمر [٢] بفعل بعد الزوال مثلا يكون مأمورا به عند الطلوع ومنهيّا عنه في الضحى ، إلاّ أنّ متعلّق الأمر والنهي هو الفعل بعد الزوال ، وذلك جائز ، وهو محلّ النزاع.
وأنت تعلم أنّ حاصله أنّ الأمر والنهي تعلّقا في زمانين بشيء غير مراد ، فالأمر به في هذا الزمان حسن من حيث هو ، والنهي عنه في ذلك الزمان قبيح من حيث هو [٣].
وفيه : أنّ الأمر والنهي يتبعان متعلّقهما في الحسن والقبح ، إن حسنا فحسنان ، وإن قبيحا فقبيحان ، فمتعلّقهما ـ وهو الفعل في وقت التمكّن ـ إن كان غير مراد لم يكن مأمورا به ، فلا معنى لحسن الأمر به في وقت ، فينتفي النسخ ، وإن كان مرادا فلا معنى للنهي عنه.
وبذلك يندفع ما قيل : أنّ الأمر كما يحسن لمصلحة تنشأ من المأمور به ، كذلك يحسن لمصلحة تنشأ من نفس الأمر ، من توطين نفسه على الامتثال فيصير مطيعا ، أو عزمه على الترك فيصير عاصيا [٤] ، على أنّ ذلك لو صحّ فإنّما يصحّ ممّن لا يعلم العواقب دون من يعلمها ؛ لاقتضائه السخريّة والإغراء بالجهل.
فإن قيل : هذا الدليل ينفي النسخ مطلقا ، فلا يصحّ أن يتمسّك به القائل به.
[١] هذا إذا كان نسخ الوجوب بتحريم الفعل لا برفع الوجوب.
[٢] كذا في النسختين. والظاهر : « فبالأمر » ، وإلاّ يلزم خلوّ الجملة عن العائد إلى المبتدأ.
[٣] راجع إرشاد الفحول ٢ : ٥١.
[٤] قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام ٣ : ١٢٧.