أنيس المجتهدين - النراقي، المولى محمد مهدي - الصفحة ٦٩٠ - ف ٢٠ ـ في أنّ النهي عن الشيء إمّا أن يكون لعينه أو جزئه أو وصفه
وقد ظهر من ذلك أنّ الدليل المذكور [١] لا يجري في غير العبادات.
والقول بإجرائه فيه ـ إذ التجارة مثلا [٢] قد تكون واجبة وقد تكون مستحبّة ، وعلى تقدير أن لا تكون إلاّ مباحة يلزم أيضا من النهي عنها مع القول بصحّتها اجتماع حكمين فيها وهو غير جائز ؛ لأنّ الأحكام كلّها متضادّة لا يمكن اجتماعها ؛ إذ قد اعتبر في كلّ منها نقيض ما اعتبر في الآخر [٣] ـ ظاهر الفساد ؛ لأنّ التجارة من حيث إنّها واجبة أو مستحبّة من العبادة [٤] ، فرفعهما بالنهي فساد عبادتي [٥] ، ولا ريب في تحقّقه بالنهي وعدم اجتماع وجوبها أو استحبابها معه ، وليس الكلام فيه ؛ لأنّها من هذه الجهة داخلة في قولنا : « النهي عن العبادة يستلزم فسادها ». إنّما الكلام في الفساد السببي وهو غير لازم من النهي ؛ لأنّ مقابله ـ وهو الصحّة بمعنى استتباع الآثار ـ يجتمع مع مدلول النهي ـ أي الحرمة ـ ولا يلزم من اجتماعهما اجتماع الأحكام المتضادّة ؛ لأنّها هي الخمسة المعروفة ، والصحّة السببيّة ليست أحد الأربعة غير الحرمة لتضادّها [٦].
وحاصله : أنّه ليس بين السببيّة التي هي من الأحكام الوضعيّة والحكم التكليفي تقابل حتّى يمتنع اجتماعهما.
فإن قيل : المسلّم عدم جواز تعلّق الأمر بنفس ما تعلّق به النهي ذاتا واعتبارا أو [٧] من جهتين لا يمكن الانفكاك بينهما ، فثبت منه فساد المنهيّ عنه لعينه ، أو لجزئه ، أو للازمه المساوي. وأمّا عدم جوازه من جهتين يمكن الانفكاك بينهما ، فغير مسلّم ؛ للتغاير حينئذ بين المأمور به والمنهيّ عنه ؛ فإنّ النهي عن الصلاة في المغصوبة متعلّق بخصوص هذا الفرد الواقع فيها ، والواجب هو ماهيّة الصلاة لا هذا الكون المخصوص الذي يجوز أن لا يفعل ، فالنهي بالحقيقة يرجع إلى وصف الغصب.
[١] أي الوجه الأوّل الذي مرّ في ص ٦٨٦.
[٢] لم يرد في « أ » : « مثلا ».
[٣] راجع منتهى الوصول لابن الحاجب : ١٠٠.
[٤] لا يخفى ما في كون التجارة الواجبة أو المستحبّة عبادة اصطلاحيّة.
[٥] كذا في النسختين. والصحيح : « فساد عباديّ ».
[٦] أي لتتضادّ الصحّة الحرمة بحذف إحدى التاءين. ويمكن قراءة الكلمة بضمّ التاء من المفاعلة.
[٧] لم يرد في « ب » : « أو ».