أنيس المجتهدين - النراقي، المولى محمد مهدي - الصفحة ٦٧٩ - ف ١٦ ـ في أنّ حدّ النهي هو القول الدالّ بالوضع على طلب الترك استعلاء
فإن قيل : يرد على عكس حدّك « لا تترك » ؛ فإنّه نهي مع أنّه يدلّ على طلب ترك الترك لا الترك ، وعلى طرده « اترك » ؛ فإنّه أمر مع أنّه يدلّ على الترك ، كما يرد كلّ منهما على مقابله الذي اخترته في حدّ الأمر ، إلاّ أنّ الوارد هنا على الطرد ، يرد هناك على العكس ، وبالعكس.
قلت : المراد من الترك في حدّ النهي ترك مأخذ الاشتقاق ، فإنّ المراد من « لا تضرب » ترك الضرب ، وكذا المراد من الفعل في حدّ الأمر فعل مأخذ الاشتقاق ، فإنّ المراد من « اضرب » فعل الضرب ، و « اترك » لا يدلّ على فعل مأخذ الاشتقاق بل على فعله ، فيخرج عن النهي ويدخل في الأمر ، و « لا تترك » لا يدلّ على فعل مأخذ الاشتقاق بل على تركه ، فيخرج عن الأمر ويدخل في النهي.
ويمكن أن يجاب باعتبار اختلاف الحيثيّة ، بأن يقال : مثل « اترك الزنا » يدلّ على طلب الترك من حيث إنّ الترك ملحوظ لذاته ، ومطلوب في نفسه ، كالصوم والصلاة في « صم » و « صلّ » ، فهو بالاعتبار الأصلي المقصود لذاته مضاف إلى الترك ، فبهذا الاعتبار يكون أمرا ، وإن كان بالاعتبار التبعي وهو إضافته إلى الزنا نهيا. وأمّا مثل « لا تزن » فدلالته على الترك من حيث تعلّقه بالزنا ، لا من حيث إنّه ملحوظ بذاته ، ومقصود في نفسه ، فالغرض الأصلي منه عدم الزنا. فالترك في الأوّل مستقلّ بالمفهوميّة ، وفي الثاني غير مستقلّ بها.
ثمّ بمثل هذين الجوابين يمكن دفع ما اورد على حدّي الأمر والنهي للقائل بالكفّ ، وهو أنّهما ينتقضان عكسا وطردا بـ « كفّ ولا تكفّ » [١] فلا ينتقضان من هذه الجهة وإن لم يكونا صحيحين عندنا من حيث اعتبار الكفّ.
ثمّ تحديدهما بنفس اقتضاء الكفّ ، أو فعل غير كفّ دون القول الدالّ عليه ـ كما فعله ابن الحاجب [٢] ـ فلا ريب في فساده عندنا ؛ لما اشير إليه في حدّ الأمر [٣].
[١] حكاه الأنصاري في فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى ٢ : ١٠٠ ، والمطيعي في سلّم الوصول المطبوع مع نهاية السؤال ٢ : ٣٠٩ ـ ٣١١.
[٢] قاله في منتهى الوصول : ٨٩.
[٣] في ص ٦٧٢ ـ ٦٧٣.