أنيس المجتهدين - النراقي، المولى محمد مهدي - الصفحة ٦٥٤ - ف ٩ ـ في أنّ الأمر بالشيء المعيّن هل هو نهي عن ضدّه أم لا؟
ولا الكفّ عنهما ؛ لأنّ النهي عنهما ليس خطابا أصليّا حتّى يلزم تعقّله ، بل هو خطاب تبعي ، كالأمر بمقدّمة الواجب اللازم من الأمر ؛ فإنّ الآمر قد لا يشعر بها أصلا ، مع أنّها واجبة ومطلوبة ، وكثيرا ما يلزم من الكلام معان ليست مقصودة للمتكلّم ، ويسمّى دلالة إشارة ، كما تقدّمت الإشارة إليها [١].
ثمّ هذا في أوامر غيره تعالى ، وأمّا في أوامره ، فكلّ ما يلزمها يعلم به ، فلا حاجة فيها إلى هذه التوجيهات. هذا.
وكيفيّة التفريع هنا ظاهرة.
المقام الرابع : في أنّ الأمر المذكور من غير تقييد بوقت خلوّ المأمور عن الضدّ الخاصّ ـ سواء كان المأمور مشتغلا به أم لا ـ يدلّ بالالتزام المعنوي على النهي عنه بشرط أن لا يكون الضدّ أيضا واجبا مضيّقا.
ويدلّ عليه وجوه :
منها : أنّ فعل المأمور به لا يتمّ إلاّ بترك ضدّه ، وما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب.
واجيب عنه بأنّه لا مدخل لترك الضدّ في فعل المأمور به ، بل العلّة فيه ليست إلاّ وجود الداعي إليه ، وانتفاء الصارف عنه. نعم ، ترك الضدّ غير منفكّ عنه في الخارج ، وذلك لا يستلزم توقّفه عليه. وحاصله ، أنّه ليس عينه ، ولا مقدّمة له ، بل هو مقارن له ؛ لأنّ مقدّمة الشيء ما يتوقّف عليه وجود هذا الشيء ، فوجوب مقدّمة الواجب مسلّم ، وكون ترك الضدّ منها ممنوع. وعلى هذا لو كان الضدّ واجبا موسّعا فترك المكلّف المأمور به وأتى بالواجب الموسّع كان مؤدّيا له [٢] ، خارجا عن عهدة التكليف ، إلاّ أنّه يأثم بترك المأمور به. ومن هنا يظهر أنّه لا تلازم بين القول بوجوب مقدّمة الواجب واقتضاء الأمر النهي عن الضدّ الخاصّ ، بل يصحّ أن يقال بالأوّل وإن لم يقل بالثاني [٣].
[١] تقدّمت آنفا.
[٢] في « أ و ب » : « لها ».
[٣] حكاه الشيخ حسن في معالم الدين : ٦٨.