أنيس المجتهدين - النراقي، المولى محمد مهدي - الصفحة ٦١٦ - ف ٤ ـ في معنى الأمر بعد الحظر أو الكراهة
فما قيل : « إنّ إجراء أدلّة الوجوب فيها إذا وردت بعد الحظر غير ممكن ؛ لأنّه فرع فهم الطلب منها وفرديّتها لمفهوم الأمر وليس كذلك » [١] ، فاسد ؛ لعدم ما يخرجها عن الدلالة على الطلب ، والفرديّة لمفهوم الأمر. وأيضا أنّها بعد الحظر العقلي للوجوب فكذا بعد الحظر الشرعي ؛ لعدم الفرق ، بل العقلي آكد.
احتجّ القائل بأنّها للإباحة بغلبتها في الإباحة في عرف الشارع بحيث تتبادر منها عند الإطلاق ، فتكون حقيقة فيها في عرفه ، فتتقدّم على الوجوب الذي هي حقيقة لغويّة فيه ؛ لتقدّم عرفه على اللغة في الشرعيّات ، بل مجازيّتها في عرفه [٢].
والجواب : منع الغلبة ؛ فإنّ المسلّم أنّ الشرع استعملها في مواضع في الإباحة ، كقوله تعالى : ( وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا )[٣] و ( فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا )[٤] ، وقوله صلىاللهعليهوآله : « كنت نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحيّ ... ألا فادّخروها » [٥] ، وهي ـ مع استفادة الإباحة منها بالقرائن ـ معارضة بقوله تعالى : ( فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ )[٦] ، وقوله : ( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ )[٧] ، فإنّ حلق الرأس بعد بلوغ الهدي محلّه واجب ، مع أنّه مأمور به بعد النهي عنه ، وبأمر الحائض والنفساء بالعبادة بعد تحريمها عليهما.
واحتجّ القائل بأنّها للندب باستعمالها فيه في كلام الشارع ، كقوله تعالى : ( فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ )[٨]. وجوابه ظاهر.
واعلم أنّه قيل : « إنّها بعد الحظر أو الكراهة لا تدلّ إلاّ على رفع المنع وهو كالإذن في الفعل مشترك بين الوجوب والندب والإباحة للتبادر » [٩].
[١] قاله الفاضل التوني في الوافية : ٧٥.
[٢] أي مجازيّة الحقيقة اللغويّة وهي الوجوب في عرف الشرع.
[٣] المائدة (٥) : ٢.
[٤] الجمعة (٦٢) : ١٠.
[٥] كنز العمّال ٥ : ٩١ و ٩٢ ، ح ١٢١٩٨ و ١٢٢٠١ و ١٢٢٠٢ باختلاف يسير.
[٦] التوبة (٩) : ٥.
[٧] البقرة (٢) : ١٩٦ و ٢٢٢.
[٨] البقرة (٢) : ٢٢٢.
[٩] القائل هو الفاضل التوني في الوافية : ٧٤ و ٧٥. وقوله : « للتبادر » تعليل للدلالة على رفع المنع.