السلف الصالح - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٩٢
الّتي كاد المجتمع الإسلامي أن يفقدها آنذاك لما أشاعه بنو أمية من الفسق والفجور بين الناس، وقد كانت هذه الظاهرة - أي: شراء العبيد وتعليمهم ثمّ عتقهم - منه(عليه السلام) تمثّل في واقعها جامعة إسلامية علمية حقيقية لم تقدر السلطات آنذاك على منعها أو الحد من نشاطها وتأثيرها, وقد كان(عليه السلام) يعطي للعبيد الّذين يعتقهم شيئاً من المال يعينهم على بدء حياة اجتماعية فاعلة وهم قد تخرّجوا من مدرسة إمام من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، وقد قيل: إنّ عدد هؤلاء قد بلغ خمسون ألفاً، وقيل: مائة ألف[١].
قال عبد العزيز سيّد الأهل: ((وجعل الدولاب يسير، والزمن يمر وزين العابدين يهب الحرية في كلّ عام، وكلّ شهر، وكلّ يوم، وعند كلّ هفوة، وكلّ خطأ، حتّى صار في المدينة جيش من الموالي الأحرار، والجواري الحرائر، وكلّهم في ولاء زين العابدين))[٢].
وأيضاً كان للإمام(عليه السلام) جهداً رسالياً آخر تمثّل في وثيقته الخالدة المسمّاة بـ(رسالة الحقوق) الّتي تعدّ لائحة قانونية مهمّة، ووثيقة تأريخية قيّمة، يذكر فيها الإمام(عليه السلام) حقوق الله سبحانه على الإنسان، وحقوق الإنسان على نفسه، وحقوق أعضائه من اللسان, والسمع, والبصر، والرجلين، واليدين، والبطن، والفرج، ثمّ يذكر حقوق الأفعال من الصلاة والصوم والحج والصدقة والهدي...إلى آخر الحقوق الّتي تبلغ الخمسين حقّاً، وآخرها حقّ الذمة.
وهذه الوثيقة الصادرة عن الإمام(عليه السلام) تكشف لنا عن حرصه الشديد على الدين وأهله، وكذلك عن عنايته الفائقة بالمجتمع الإسلامي، والسعي إلى تحصينه
[١] اُنظر: بحار الأنوار ٤٦: ١٠٤، ١٠٥. [٢] زين العابدين، لسيّد الأهل: ٥٧.