السلف الصالح - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٣٧٩
هو الّذي يدفع ابن خزيمة وأمثاله إلى ارتكاب أمثال هذه المصادرات والتحكمات المتقدّمة، فيقعون في التناقض الصارخ من حيث يدرون أو لا يدرون.. ولله عاقبة الأمور!
ولم يخف الشيخ هراس - محقق كتاب ابن خزيمة - توقعاته في أن يكون لليهود دور في هذه المسألة عند المسلمين، ففي تعليقته على إحدى الروايات الّتي أوردها ابن خزيمة في كتابه المتقدّم عن ابن عباس، وهي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) رأى ربّه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب على كرسي من ذهب..إلخ، قال: ((لعل ابن عباس أخذ رأيه هذا من كعب الأحبار, فقد كان كعب يقول: إنّ الله قسّم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمّد))[١].
وأيضاً لم يستبعد بعض أهل العلم، غير الشيخ هراس، بأن تكون الروايات المتقدّمة في الموضوع مدخولة على ابن عباس من مولاه عكرمة المتهم بالكذب عليه، وهو المعروف أيضاً بأخذه عن أحبار اليهود ككعب الأحبار.. فقد قال الشيخ محمّد عبده في تفسيره (المنار) عن روايتي ابن عباس وعائشة المتقدّمتين في الموضوع: ((أنّ ما روي عن ابن عباس من الإثبات هو الّذي يصح فيه ما قيل خطأ في نفي عائشة إنّه استنباط منه، لم يكن عنده حديث مرفوع فيه[٢]، وإنّه على ما صح عنه من تقييده بالرؤية القلبية معارض مرجوح بما صح من تفسير النبيّ(صلى الله عليه وآله) لآيتي سورة النجم، وهو أنّهما في رؤيته(صلى الله عليه وآله) لجبريل بصورته الّتي خلقه الله عليها)).
[١] كتاب التوحيد: ١٩٨ (الحاشية). [٢] هنا يعيد الشيخ محمّد عبده الأمور إلى نصابها ومواضعها الحقيقية الصحيحة، فالمدّعي حقيقة هو ابن عباس وليس عائشة، وهو الّذي يصح أن يقال في حقّه أنّه استنبط شيئاً ولم يسنده بدليل، خلاف عائشة الّتي قيل في حقّها ذلك مع أنّها اُسندت ما قالت بدليل عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) وآيات من القرآن الكريم، فلاحظ هذا الأمر وتدبّره! مع أننا نتحفظ على نسبة هذا القول لابن عباس، خاصة مع تعارض الروايات الواردة عنه في المسألة واضطرابها، وأيضاً مع احتمال مدخوليتها عليه من قبل مولاه عكرمة كما يشير إليه الشيخ محمّد عبده! فتأمل!