السلف الصالح - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ١٤٧
قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي, فقال: (الحمد لله الّذي إليه مصائر الخلق وعواقب الأمر ـ إلى قوله(عليه السلام) ـ ماضرّ إخواننا الّذين سفكت دماؤهم وهم بصفّين أن لا يكونوا اليوم أحياء, يسيغون الغصص، ويشربون الرنق[١]، قد والله لقوا الله فوفّاهم أجورهم، وأحلهم دار الأمن بعد خوفهم. أين إخواني الّذين ركبوا الطريق ومضوا على الحقّ؟ أين عمّار؟ وأين ابن التيهان؟ وأين ذو الشهادتين؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم الّذين تعاقدوا على المنية، وأبرد برؤوسهم إلى الفجرة؟)[٢]، قال نوف: ثمّ ضرب بيده على لحيته الشريفة الكريمة فأطال البكاء، ثمّ قال(عليه السلام): (اُوه على إخواني الّذين تلوا القرآن فأحكموه، وتدبّروا الفرض فأقاموه، أحيوا السنّة, وأماتوا البدعة، دعوا للجهاد فأجابوا، ووثقوا بالقائد فاتّبعوه)))[٣].
[١] الرنق ـ بكسر النون وفتحها وسكونها ـ الكدر. [٢] أي: أرسلت رؤوسهم مع البريد بعد قتلهم للبغاة للتشفّي منهم(رضي الله عنهم). [٣] نهج البلاغة ٢: ١٠٣ - ١٠٩، نقول: ونحن إذ نذكر هنا هذه الخطبة المروية عن أمير المؤمنين(عليه السلام) وفيها ما يدلّ على استشهاد ابن التيهان في صفين تجد من يذكر خلاف هذه الحقيقة كابن قتيبة في المعارف: ٢٧٠، أو ابن سعد في الطبقات: ٣: ٤٤٩ الّذي قال بأنّ ابن التيهان توفي سنة عشرين بالمدينة زمن خلافة عمر بن الخطاب.. إلا أنَّ هذه الدعوى مردودة بأمور: الأوّل: بما رواه ابن عبد البر في (الاستيعاب) ٤: ١٧٧٣ عن وفاة مالك بن التيهان حيث قال: وقيل: إنّه توفي سنة عشرين أو إحدى وعشرين وقيل: إنّه أدرك بصفين وشهدها مع عليّ, وهو الأكثر. (انتهى)، وأيضاً بما رواه ابن الأثير في كامله ٣: ٢٢٥ بأنّ ابن التيهان شهد صفين مع عليّ(عليه السلام) سنة ٣٩هـ وقتل فيها، وبما ذكر في (أسد الغابة) ٥: ٣١٨: أنّه أدرك صفين وشهدها مع عليّ وقتل بها, وهو الأكثر (قال) وتقدّم ذكره في مالك أخرجه أبو نعيم وأبو عمر وأبو موسى (انتهى). الثاني: بما رواه الطبري في تاريخه ٣: ٤٦٥، وابن الأثير في كامله ٣: ١١٣، وابن خلدون في تاريخه ٢: ١٥٤، وابن كثير في (البداية والنهاية) ٧: ٢٦١ بأنّ مالك بن التيهان ممّن استجاب لدعوة أمير المؤمنين(عليه السلام) في المسير من المدينة إلى البصرة لمحاربة أهل الجمل، وهذه الواقعة كما هو معلوم جرت سنة ٣٦ للهجرة. الثالث: نفس الخطبة المروية أعلاه، وذكر أمير المؤمنين(عليه السلام) فيها بأنّ ابن التيهان ممّن استشهد في صفين تدحض الدعوى المتقدّمة، وهذه الخطبة رواها الشريف الرضي المتوفي سنة ٤٠٣هـ عند جمعه لخطب أمير المؤمنين(عليه السلام), ورواها الزمخشري في (ربيع الأبرار) في باب التفاضل والتفاوت، وفسّر ابن الأثير غريبها في النهاية في فقرتي (دهم) و(رجحن)، فراجع ثمة.