السلف الصالح - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٣٧٨
ولنا في مقام التعليق على هذه الأقوال الّتي جاء بها ابن خزيمة هنا من أجل الانتصار لرأيه في الرؤية، كقوله: إنّ روايات الإثبات مقدّمة على روايات النفي، وإنّ النفي لا يوجب علماً وإنّما الإثبات هو الّذي يوجب العلم، نقول: هل تراه يلتزم بقاعدته هذه في الروايات الّتي تنفي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) أوصى بالخلافة، والروايات الّتي تثبت أنّه أوصى بها لعليّ(عليه السلام) ليقول بثبوت الوصية لأنّ روايات الإثبات مقدّمة على روايات النفي؟!
وأيضاً هل تراه يلتزم فيما صرّح به في أكثر من موضع من كتابه بأنّ كلام ابن عباس مقدّم على كلام عائشة لأنّه أعلم منها، وبذلك يقدّم شهادة ابن عباس بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد أوصى لعليّ(عليه السلام) بالخلافة من بعده وأمر المسلمين ببيعته في غدير خم في حجة الوداع[١]، على شهادة عائشة بأنّ النبيّ لم يوص لأحد ولا أوصى بشيء؟![٢]
لا نظن ابن خزيمة يلتزم بشيء من ذلك، فللهوى سلطنة حقيقية على البعض لا يمكن للمرء الإفلات منها بسهولة، وخاصة في مقام التخلّص ممّا فطم عليه، فذلك أمر يحتاج إلى مجاهدة وتجرد حقيقيين, قال المولى سبحانه: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً}[٣]، وقال عزَّ من قائل: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}[٤]، فانقياد النفس ومتابعتها لسلطة الهوى
[١] ابن عباس هو أحد رواة حديث الغدير الّذي قال فيه النبيّ(صلى الله عليه وآله): (ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه)، وأخرج حديثه هذا عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) أحمد بن حنبل في مسنده ١: ٣٣١، والحاكم في مستدركه ٣: ١٤٣ وصححه، ووافقه الذهبي. [٢] وأحاديث النفي هذه وردت عن عائشة عند البخاري ٣: ١٨٦ باب الوصايا، ومسلم ٥: ٧٥ باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه، وأحمد في المسند ٦: ٣٢. [٣] سورة الفرقان، الأية ٤٣. [٤] سورة النازعات، الآيتان ٤٠، ٤١.