السلف الصالح - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٣٥٨
بحمله من غير أن يجمع كفه عليه بل يقله ببعض أصابعه، وقد جرى في أمثالهم فلان يقل كذا بإصبعه ويعمله بخنصره..)).
ثمّ نقل ابن حجر عن قوله في المفهم: (((إنّ الله يمسك، إلى آخر الحديث) هذا كلّه قول اليهودي، وهم يعتقدون التجسيم، وأنّ الله شخص ذو جوارح كما يعتقده غلاة المشبّهة من هذه الأمة، وضحك النبيّ(صلى الله عليه وآله) إنّما هو للتعجب من جهل اليهودي، ولهذا قرأ عند ذلك: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي: ما عرفوه حقّ معرفته ولا عظموه حقّ تعظيمه، فهذه الرواية هي الصحيحة المحققة، وأمّا من زاد (وتصديقاً له) فليست بشيء فإنّها من قول الراوي وهي باطلة، لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) لا يصدق المحال وهذه الأوصاف في حقّ الله محال، إذ لو كان ذا يد وأصابع وجوارح كان كواحد منّا فكان يجب له من الافتقار والحدوث والنقص والعجز ما يجب لنا ولو كان كذلك لاستحال أن يكون إلهاً، إذ لو جازت الآلهية لمن هذه صفته لصحت للدجال وهو محال، فالمضي إليه كذب فقول اليهودي كذب ومحال، ولذلك أنزل الله في الرد عليه: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}، وإنّما تعجّب النبيّ(صلى الله عليه وآله) من جهله فظن الراوي أنّ ذلك التعجّب تصديق وليس كذلك فإن قيل قد صح حديث أنّ قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، فالجواب أنّه إذا جاءنا مثل هذا في الكلام الصادق تأوّلناه أو توقفنا فيه إلى أن يتبين وجهه مع القطع باستحالة ظاهره لضرورة صدق من دلّت المعجزة على صدقه، وأمّا إذا جاء على لسان من يجوز عليه الكذب, بل على لسان من أخبر الصادق عن نوعه بالكذب والتحريف كذّبناه وقبّحناه، ثمّ لو سلّمنا أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) صرّح بتصديقه لم يكن ذلك تصديقاً له في المعنى, بل في اللفظ الّذي نقله من كتابه عن نبيه ونقطع بأنّ ظاهره غير مراد.. انتهى ملخصاً))[١].
[١] فتح الباري ١٣: ٣٣٦، ٣٣٧.