السلف الصالح - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ١١٦
حبيب بن مسلمة لمعاوية: إنّ أبا ذر مفسد عليك الشام فتدارك أهله إن كانت لكم به حاجة. فكتب معاوية إلى عثمان فيه، فكتب عثمان إلى معاوية: أمّا بعد، فاحمل جندباً إليَّ على أغلظ مركب وأوعره، فوجّه معاوية من سار به الليل والنهار، فلمّا قدم أبو ذر المدينة جعل يقول: تستعمل الصبيان، وتحمي الحمى، وتقرّب أولاد الطلقاء. فبعث إليه عثمان: إلحق بأيّ أرض شئت. فقال بمكة. فقال: لا. قال: فبيت المقدس. قال: لا. قال فبأحد المصرين. قال: لا، ولكنّي مسيّرك إلى الربذة. فسيّره إليها فلم يزل بها حتّى مات))[١].
وفي رواية المسعودي: ((...فقال له عثمان: وار عنّي وجهك. فقال: أسير إلى مكة. قال لا والله. قال: فتمنعني من بيت ربّي أعبده فيه حتّى أموت؟ قال: أي والله. قال: فإلى الشام. قال: لا والله. قال: البصرة. قال: لا والله فاختر غير هذه البلدان. قال: لا والله ما أختار غير ما ذكرت لك، ولو تركتني في دار هجرتي ما أردت شيئاً من البلدان، فسيّرني حيث شئت من البلاد. قال: فإنّي مسيرك إلى الربذة. قال: الله أكبر صدق رسول الله(صلى الله عليه وآله) قد أخبرني بكلّ ما أنا لاقٍ. قال عثمان: وما قال لك؟ قال: أخبرني بأنّي أمنع عن مكة والمدينة وأموت بالربذة، ويتولّى مواراتي نفر ممّن يردون من العراق نحو الحجاز. وبعث أبو ذر إلى جمل له فحمل عليه امرأته وقيل: ابنته، وأمر عثمان أن يتجافاه الناس حتّى يسير إلى الربذة. فلمّا طلع عن المدينة ومروان يسيّره عنها, إذ طلع عليه عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) ومعه ابناه وعقيل أخوه وعبد الله بن جعفر وعمّار بن ياسر، فاعترض مروان فقال: يا عليّ إنّ أمير المؤمنين قد نهى الناس أن يصحبوا أباذر في مسيره ويشيّعوه، فإن كنت لم تدر بذلك فقد أعلمتك. فحمل عليه عليّ بن أبي طالب بالسوط وضرب بين أذني راحلته وقال: (تنحّ نحّاك الله إلى النار) ومضى مع أبي ذر
[١] أنساب الأشراف ٦: ٢٤٣٤, ٢٤٣٥.