السلف الصالح - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ١١٨
روى ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج عن الواقدي: ((أنّ أبا ذر لمّا دخل على عثمان، قال له: لا أنعم الله بك عينا يا جنيدب! فقال أبو ذر: أنا جنيدب وسمّاني رسول الله (صلّى الله عليه) عبد الله، فاخترت اسم رسول الله الّذي سمّاني به على اسمي. فقال عثمان: أنت الّذي تزعم أنّا نقول: إنّ يد الله مغلولة، وإنّ الله فقير ونحن أغنياء! فقال أبو ذر: لو كنتم لا تزعمون لأنفقتم مال الله على عباده، ولكنّي أشهد لسمعت رسول الله (صلّى الله عليه) يقول: (إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً جعلوا مال الله دولاً، وعباد الله خولاً، ودين الله دخلا)[١]. فقال عثمان لمن حضره: أسمعتموها من نبيّ الله؟ فقالوا: ما سمعناه. فقال عثمان: ويلك يا أبا ذر! أتكذب على رسول الله؟! فقال أبو ذر لمن حضر: أما تظنون أنّي صدقت؟! قالوا: لا والله ما ندري. فقال عثمان: ادعوا لي عليّاً، فدعي، فلمّا جاء قال عثمان لأبي ذر: أقصص عليه حديثك في بني أبي العاص، فحدّثه، فقال عثمان لعليّ: هل سمعت هذا من رسول الله (صلّى الله عليه)؟ فقال عليّ(عليه السلام): (لا، وقد صدق أبوذر). قال عثمان: بم عرفت صدقه؟ قال: لأنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه) يقول: (ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر).
فقال جميع من حضر من أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه): لقد صدق أبو ذر. فقال أبو ذر: ((أحدّثكم أنّي سمعت هذا من رسول الله (صلّى الله عليه) ثمّ تتهمونني! ما كنت أظن أنّي أعيش حتّى أسمع هذا من أصحاب محمّد(صلى الله عليه وآله) !))[٢].
وعن اليعقوبي في تاريخه قال: ((بلغ عثمان أنّ أبا ذر يقعد في مجلس رسول الله(صلى الله عليه وآله) ويجمع إليه الناس فيحدّث بما فيه الطعن عليه، وأنّه وقف بباب المسجد فقال:
[١] دولا: أي يتداوله الأغنياء بينهم كما كان في الجاهلية، خولاً: أي خدماً وعبيداً، دخلاً: أي يدخلون في الدين ما ليس منه. [٢] شرح نهج البلاغة ٣: ٥٦، وقد رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ٤: ٥٢٧ مختصراً وصححه، ووافقه الذهبي عليه على شرط مسلم.