السلف الصالح - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٢٨٢
جاء في تفسير القمي عن ابن أبي عمير عن حماد عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: ما يقول الناس في هذه الآية {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاًً}[١] ؟ قلت: يقولون إنّها في القيامة. قال: ليس كما يقولون، إنّ ذلك في الرجعة، أيحشر الله في القيامة من كلّ أمّة فوجاً ويدع الباقين؟! إنّما آية القيامة قوله: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداًً}[٢]، وقوله: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ}[٣].
وعلى أية حال، فالآية واضحة الدلالة على ذلك، إلا أنّه لما كان معناها يتنافى مع عقيدة أهل السنّة في إنكار الرجعة، فإنّ بعض مفسّري أهل السنّة فرّ من بيانها، واكتفى من الآية ببيان معنى الفوج، ومعنى يوزعون، كما صنع الطبري والقرطبي في تفسيريهما، وأيضاً السيوطي في الدر المنثور، وابن الجوزي في زاد المسير، وابن كثير في تفسيره وكذا غيرهم[٤].
بل قد تكلّف البعض وقال: إنّ المراد بالحشر هو الحشر للعذاب بعد الحشر الكلي الشامل لكافة الخلق[٥].
وهذا تكلّف واضح، فهو خلاف ظاهر الآية الكريمة أوّلاً، فإنّ الآية أثبتت حشراً خاصاً بأفواج من المكذّبين، ولم تثبت أنّ هذا الحشر وقع قبله حشر عام آخر. وثانياً: يرد السؤال أنّه ما الوجه في حشرهم بعد الحشر العام الّذي سمّي في آيات من القرآن الكريم بأنّه يوم {الطَّامَّةُ الْكُبْرَى}[٦]، وأنّه {يومَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي
[١] سورة النمل، الآية ٨٣. [٢] سورة الكهف، الآية ٤٧. [٣] سورة الأنبياء، الآية ٩٥، تفسير القمي ٢٥:١. [٤] اُنظر: تفسير الطبري ٢: ٢١، والقرطبي ١٣: ٢٣٨، والسيوطي ٥: ١١٧، وابن الجوزي ٦: ٨٢، وابن كثير ٣: ٣٨٨. [٥] أنظر فتح القدير ٤: ١٥٤. [٦] سورة النازعات، الآية ٣٤.