السلف الصالح - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ١٤٣
الّذي نهانا عنه لأخذناه أو أعذرنا فيه، ولا يعاب أحد على ترك حقّه، إنّما العيب من يطلب ما ليس له، وكلّ صواب نافع، وليس كلّ خطأ ضار))[١].
ومن كلمات ابن عباس المأثورة الّتي قالها لمعاوية حين جابهه الأخير بقوله: ((إنّ في نفسي منكم لحزازات يا بني هاشم، وإنّي لخليق أن أدرك فيكم الثأر وأنفي العار، فإنّ دماءنا قبلكم وظلامتنا فيكم))!
قال ابن عباس: ((والله إن رمت ذلك يا معاوية لتثيرنّ عليك أسداً مخدّرة, وأفاعي مطرقة، لا يفثؤها كثرة السلاح, ولا تعضها نكاية الجراح، يضعون أسيافهم على عواتقهم، يضربون قدماً قدماً من ناوأهم, يهون عليهم نباح الكلاب وعواء الذئاب، لا يفاتون بوتر، ولا يسبقون إلى كريم ذكر، قد وطّنوا على الموت أنفسهم, وسمت بهم إلى العلياء هممهم..فلتكونن منهم بحيث أعددت ليلة الهرير للهرب فرسك، وكان أكبر همّك سلامة حشاشة نفسك، ولولا طغام من أهل الشام وقوك بأنفسهم، وبذلوا دونك مهجهم، حتّى إذا ذاقوا وخز الشفار وأيقنوا بحلول الدمار، رفعوا المصاحف مستجيرين بها وعائذين بعصمتها، لكنت شلوا مطروحاً بالعراء، تسفي عليك رياحها ويعتورك ذئابها.. إلى آخر كلامه.
فقال له معاوية: لله درك يا بن عباس ما تكشف الأيام منك إلا عن سيف صقيل ورأي أصيل، وبالله لو لم يلد هاشم غيرك لما نقص عددهم، ولو لم يكن لأهلك سواك لكان الله قد كثّرهم. ثمّ نهض, فقام ابن عباس وانصرف))[٢].
ويمرّ ابن عباس يوماً بقومٍ ينالون من عليّ(عليه السلام) ويسبّونه، فيقول لقائده ـــ وهذا أيام ذهاب بصره ـــ : أدنني منهم فأدناه، فقال: أيّكم الساب الله؟ قالوا: نعوذ بالله أن نسبّ الله، فقال: أيّكم الساب لرسول الله(صلى الله عليه وآله)؟ قالوا: نعوذ بالله أن نسبّ رسول الله(صلى الله عليه وآله).
[١] عيون الاخبار ٢: ٥١ كتاب السلطان. [٢] جمهرة خطب العرب ٢: ١١٠، شرح نهج البلاغة للمعتزلي ٦: ٣٠٣.