السلف الصالح - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٣٧٥
وفي مسند أحمد: ((قال ابن مسعود {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} قال: رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله) جبريل في حلة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض))[١].
إلا أنَّ البعض ومن أجل تثبيت هذه العقيدة اليهودية قد يستعين بتمحلات لا يستطيع الالتزام بها في غير هذا المورد، وقد يضم إلى ذلك إساءة الأدب مع أمّه (عائشة) ــــ كما يقول بعض المحققين ـــ كابن خزيمة الّذي قال في كتابه (التوحيد): ((هذه لفظة أحسب عائشة تكلّمت بها في وقت غضب، ولو كانت لفظة أحسن منها يكون فيها درك لبغيتها كان أجمل بها، ليس يحسن في اللفظ أن يقول قائل أو قائلة: قد أعظم ابن عباس الفرية وأبو ذر وأنس بن مالك وجماعات من الناس الفرية على ربّهم[٢]! ولكن قد يتكلّم المرء عند الغضب باللفظة الّتي يكون غيرها أحسن وأجمل منها، أكثر ما في هذا أنّ عائشة(رضي الله عنها) وأباذر وابن عباس رضي الله عنهما وأنس بن مالك(رضي الله عنه)، قد اختلفوا هل رأى النبيّ(صلى الله عليه وآله) ربّه؟ فقالت عائشة(رضي الله عنها): لم ير النبيّ(صلى الله عليه وآله) ربّه، وقال أبو ذر وابن عباس رضي الله عنهما: قد رأى النبيّ(صلى الله عليه وآله) ربّه، وقد أعلمت في مواضع من كتبنا أنّ النفي لا يوجب علماً والإثبات هو الّذي يوجب العلم، لم تحك عائشة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) أنّه لم ير ربّه(عزوجل)، وإنّما تلت قوله(عزوجل): {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}، وقوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْياً}، ومن تدبّر هاتين الآيتين ووفّق لإدراك الصواب علم أنّه ليس في واحدة من الآيتين ما يستحق الرمي بالفرية على الله، كيف بأن يقول قد أعظم الفرية على الله! لأنّ قوله: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}، قد يحتمل معنيين على مذهب من يثبت رؤية النبيّ(صلى الله عليه وآله) خالقه(عزوجل). قد يحتمل بأن يكون معنى قوله: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}، على ما قال ترجمان القرآن لمولاه عكرمة: ذاك نوره الّذي هو نوره، إذا تجلّى بنوره لا يدركه شيء. والمعنى الثاني, أي: لا تدركه الأبصار أبصار
[١] مسند أحمد ١: ٣٩٤. [٢] يريد ما ورد عن عائشة كما في رواية مسلم المتقدّمة ـ ١: ١١٠ باب معنى قول الله (عزوجل) ولقد رآه نزلة أخرى ـ : (من زعم أنّ محمّداً(صلى الله عليه وآله) رأى ربّه فقد أعظم على الله الفرية).