السلف الصالح - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٢١٥
وهذه الحادثة ـــ كما تفصح هي بنفسها عن نفسها ـــ صريحة في أنَّ الجانبين كانا على طرفي نقيض من حيث الحقّ والباطل، إذ لم يتكلم صلحاء الكوفة إلا حقّاً، ولم ينطق سعيد بن العاص في هذا المقام إلا باطلاً، وأمّا الحكم الصادر عن الخليفة بحقّهم في تسييرهم ونفيهم إلى الشام لم يكن إلا ظلماً وجوراً قاده إليه سلطانه, إذ هو لم يستدع الخصماء ليسمع من كلّ واحد منهم حجّته فيما يريد، وأيضاً لم يطلب الشهود، وإنّما اعتمد على رواية قريبه الجاهل بأحكام القرآن والسنّة في فيء المسلمين!!
وفي رواية الطبري: ((قدم سعيد بن العاص الكوفة فجعل يختار وجوه الناس يدخلون عليه ويسمرون عنده, وأنّه سمر عنده ليلة وجوه أهل الكوفة منهم مالك بن كعب الأرحبي والأسود بن يزيد وعلقمة بن قيس النخعيان وفيهم مالك الأشتر في رجال، فقال سعيد: إنّما هذا السواد بستان لقريش، فقال الأشتر: أتزعم أنّ السواد الّذي أفاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك؟ والله ما يزيد أوفاكم نصيباً إلا أن يكون كأحدنا، وتكلم معه القوم، قال: فقال عبد الرحمن الأسدي وكان على شرطة سعيد: أتردّون على الأمير مقالته وأغلظ لهم... (إلى آخر القصة)))[١].
وهذه المرّة لم يتسنّ لأهل الكوفة الّذين عانوا من ولاة عثمان الموسومين بالفسق والفجور والغرور أن يتم لهم عزل سعيد بن العاص باليسير، فـ (الخليفة) لم يوافقهم على طلب عزله بعد أن سار إليه بذلك الوجهاء المتقدّم ذكرهم، قال ابن سعد في (الطبقات): ((فأبى عثمان أن يعزله وأمره أن يرجع إلى عمله, فخرج الأشتر من ليلته في نفر من أصحابه فسار عشر ليال إلى الكوفة فاستوى عليها وصعد المنبر فقال: هذا سعيد بن العاص قد أتاكم يزعم أنّ هذا السواد بستان لأغيلمة من قريش, والسواد مساقط رؤوسكم, ومراكز رماحكم, وفيؤكم وفيء آبائكم, فمن كان يرى
[١] تاريخ الطبري ٣: ٣٦٥.