السلف الصالح - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ١٣٨
رسول الله(صلى الله عليه وآله)! فاختلف الموجودون في البيت فاختصموا، منهم من يقول: قربّوا يكتب لكم النبيّ كتاباً لن تضلّوا بعده. ومنهم من يقول ما قال عمر، أي يقول: هجر رسول الله(صلى الله عليه وآله)! وعندما كثر اللغط واللغو والاختلاف غضب النبيّ(صلى الله عليه وآله) وقال لهم: (قوموا عنّي). وفي رواية: (دعوني فأنا الّذي فيه خير ممّا تدعوني إليه). فكان ابن عباس يقول: ((إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم!))[١].
توقف وتساؤلات أمام الحادثة
وهذه الحادثة - في واقعها - تستدعي الكثير من التوقف والتساؤلات، ولعلّ أبرز هذه التساؤلات:
هذا السؤال المهم: ما الّذي أراد أن يكتبه النبيّ(صلى الله عليه وآله) للصحابة في هذا الكتاب، وقد صرّح لهم بأنّهم لن يضلّوا بعده أبداً، أي بعد العمل بمضمونه والأخذ به؟!
[١] هذه الرزية ينقلها بتفاصيلها وبألفاظ متعددة عن ابن عباس: البخاري في صحيحه ٥: ١٣٧ باب مرض النبيّ ( صلى الله عليه وآله)، ٧: ٩ باب قول المريض قوموا عنّي، ٨: ١٦١ باب قول النبيّ ( صلى الله عليه وآله) لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، ومسلم في صحيحه ٥: ٧٣ كتاب الوصية، وأحمد في مسنده ١: ٣٢٤ وغيرهم... ولا يحتاج المتابع لهذه المصادر إلى كثير عناء ليعرف أنّ صاحب تلك الكلمة الّتي تجاوزت على الجناب الأقدس لنبي الرحمة(صلى الله عليه وآله) - والّذي تغافل البعض عن ذكر اسمه - وسببت كلّ هذا اللغط والاختلاف هو عمر بن الخطاب، وقد صرّح بذلك: سبط بن الجوزي في (تذكره الخواص): ٦٢، والغزالي في (سر العالمين): ٢١، والشهاب الخفاجي في (نسيم الرياض) ٢٧٨:٤، وابن تيمية في (منهاج السنة) ٦: ٢٤، وآخرون غيرهم، ورغم اعتراف ابن تيمية بأنّ قائل تلك الكلمة هو عمر بن الخطاب إلا أنّه أراد أن يذب عن (الخليفة) بمحاولة تحويل هذه الجملة من خبرية إلى استفهامية، أي: من قوله (هجر رسول الله) إلى (أهجر رسول الله)، إلا أنّ هذه المحاولة لا تنفع في المقام، فإنّ الاستفهام بهذا المضمون لا يقل بشاعة عن الإخبار، مع أنّ البخاري قد صرّح بورود الخبرية في إحدى مروياته الّتي نقل بها الحادثة، فانظر الجزء الرابع من صحيحه الصفحة ٣١، كتاب الجهاد، باب هل يستشفع إلى أهل الذمة!