السلف الصالح - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٣٧١
وأمّا قول القرطبي الّذي تقدّم ذكره في الفتح بأنّ الأبصار في آية {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} جمع محلى بالألف واللام فيقبل التخصيص.. الخ.
نقول: من المعلوم أنّ ألفاظ الجمع المحلى بالألف واللام الواردة في سياق النفي إنّما تفيد عموم السلب لا سلب العموم، فهي تأبى التخصيص ويكون السلب فيها عاماً شاملاً لكلّ فرد من أفرادها، كما في قولنا: لا يحب الله المنافقين، ولا يبغض المؤمنين، وأمثال ذلك.
وكذا بقية الأدلة السمعية الّتي أوردها القرطبي، فهي قابلة للنقاش في المقام، ولا يمكن الجزم بها على مطلوبه، فمثل قـوله تعالى: {إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}[١]، ليس فيه دليلاً على أنّهم محجوبون عن رؤيته سبحانه، إذ الحجاب لا يصح إلا في حقّ من يكون في جهة ومكان ما، والمولى سبحانه لا يوصف بمكان يحل فيه فيحجب عن عباده، ولكنه يعني أنّهم عن ثواب ربّهم وكرامته محجوبون كما ذكر ذلك الطبري في تفسيره عن قتادة[٢]، وأيضاً نقله الشوكاني في (فتح القدير) عن قتادة وابن أبي مليكة ومجاهد وابن كيسان[٣].. وأيضاً الاستدلال بقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}[٤] لا دلالة فيه على أنّ المراد بالنظر هنا هو خصوص الرؤية البصرية، لأنّ لفظ النظر ولاسيما المتعدّي منه بإلى ليس اسماً للرؤية نفسها، ولا هو بملازم لها، وإنّما هو مدّ الطرف نحو الشيء رآه أو لم يره، كما نصّ عليه أهل اللغة في معاجمهم، ودليله من كتاب الله قوله تعالى:
[١] سورة المطففين، الآية ١٥. [٢] تفسير الطبري ٣٠: ١٢٦. [٣] فتح القدير ٥: ٤٠. [٤] سورة القيامة، الآية ٢٢ ـ ٢٣.