السلف الصالح - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٣٧٣
هذا الاختصاص على حدّ قوله سبحانه: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ}[١]، {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ}[٢]، {أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ}[٣]، {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[٤]، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[٥].
فهذا يوجب القطع بأنّ النظر الوارد في الآية الكريمة لا يراد منه الرؤية، لأنّ المؤمنين يوم القيامة ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها حصر ولا تدخل تحت عدد في محشر تجتمع فيه الخلائق من إنس وجن وملائكة وغيرهم، فاختصاصه تعالى بنظرهم إليه - لو كان الله جائز الرؤية - مستحيل..ولذلك وجب حمل الآية على معنى يصح معه هذا الاختصاص، والّذي يصح معه ذلك إنّما هو كون (ناظرة) في الآية بمعنى (منتظرة) كقول أحدنا: إنّما أنا في أمور دنياي وآخرتي ناظر إلى ربّي(عزوجل) .
بل يمكن أن يضاف إلى ذلك كلّه أمر آخر وهو الاستفادة من السياق، إذ إنّ سياق التضاد الوارد في الآية الكريمة يرشدنا إلى المعنى المذكور دون غيره من المعـاني، فـانظر إلـى قولـه تعـالى في هـذه الآيـة: {وُجُـوهٌ يَـوْمَئِـذٍ نَـاضِـرَةٌ *إِلَـى رَبِّهَـا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِـذٍ بَـاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَـاقِرَةٌ}[٦]، فـإنّك تجد أنَّ قوله تعالى: {بَاسِرَةٌ}، أي: مقطبة معلول لقوله: {تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ}، أي: أنّها تتوقع أن يفعل بها داهية من العذاب...فالآيات في مقام تصوير هيئتين متضادتين تنتظران عاقبتين متضادتين، فالأولى تنتظر إنجاز الوعد بالأجر والثواب، والثانية تنتظر الوعيد بإنزال العقوبة والعذاب.
[١] سورة القيامة، الآية ١٢. [٢] سورة القيامة، الآية ٣٠. [٣] سورة الشورى، الآية ٥٣. [٤] سورة البقرة، الآية ٢٤٥. [٥] سورة الفاتحة، الآية ٥. [٦] سورة القيامة، الآية ٢٢ ـ ٢٥.