السلف الصالح - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٣٧٢
{وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ}[١]، حيث أثبت نظرهم إليه في حال نفي الإبصار عنهم وما ذاك إلا لأنّ النظر والرؤية متغايران وغير متلازمين.
وأيضاً يقال في العرف: ((نظرت إلى الهلال فلم أره))، و((نظرت إليه فرأيته)). وإذا كان النظر والرؤية متغايرين، ولا تلازم بينهما، فلا دلالة في الآية على خصوص الرؤية البصرية كما يحاول البعض استفادته من الآية ذاتها، بل المتبادر إلى الأذهان من قوله تعالى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} أنّها تنتظر وتتوقع فضل الله وما أعدّه لها من الكرامة في دار الآخرة كما يقول أهل العرف: إنّما ننظر إلى الله ثمّ اليك، أي: إنّما ننتظر ونتوقع فضل الله ثمّ فضلك، واستعمال النظر في الانتظار سائغ عند العرب ولاسيما المتعدّي منه بإلى, ومنه قول الشاعر:
| وجوه ناظرات يوم بدر | إلى الرحمن تنتظر الخلاصا |
إذ أثبت النظر إلى الرحمن مع عدم رؤيته، ونصّ في آخر البيت على أنّ مراده من قوله في أوّله: وجوه ناظرات. أنّها تنتظر الخلاصا. بل هذا المعنى - أي: مجيء ناظرة بمعنى منتظرة - ورد ذكره في القرآن الكريم، في قوله تعالى حكاية عن بلقيس: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ}[٢]، أي: منتظرة بم يرجع المرسلون.
بل نقول: يوجد دليل من نفس الآية المذكورة يوجب الحمل على هذا المعنى ـــ أي: حمل (ناظرة) على معنى (منتظرة) ـــ دون غيره من المعاني، وهذا الدليل هو تقديم المعمول في الآية على العامل، فإنّ تقديمه عليه يعدّ كنص صريح في اختصاص الله تعالى بنظرهم إليه...ألا ترى أنّ قوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} في الدلالة على
[١] سورة الأعراف، الآية ١٩٨. [٢] سورة النمل، الآية ٣٥.