السلف الصالح - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٢٥٩
بشاردة من الذكر أو الإيماء عند هؤلاء المؤرّخين، المتقدّم ذكرهم، فيما دوّنوه من أحداث وشخصيات في كتبهم التاريخية عن تلك المرحلة؟!
إنّ هذا الأمر لغريب حقاً!! بل يدعو للمزيد من التأمل والنظر، ولا يبعد أن يكون شاهد صدق على أنّ هذه القصة مفتعلة ومختلقة برمّتها، نسجتها عقول قوم أرادت أن تصنع التأريخ وفق إراداتها لأغراض يأتي التعرّض لها إن شاء الله تعالى.
ويرد السؤال هنا أيضاً: لماذا توقّف الطبري فجأة, بل وسائر المؤرّخين الّذين تابعوه في سرد هذه القصة عن تناول ابن سبأ وإغفال ذكره فيما بعد زمن عثمان، بحيث لا نجد له أيّ ذكر في الأحداث الّتي وقعت في زمن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، بل ولا نجد له أي أثر في الوقائع الثلاث الّتي خاضها الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) مع خصومه، وهي وقعة الجمل والنهروان وصفّين، مع أنّه كان ينبغي وحسب التدرج الطبيعي للأحداث أن يكون لابن سبأ دور بارز وظاهر فيما بعد مقتل عثمان، وخاصة أنّه كان - كما تذكر تلك الروايات - المنظّر الفكري والقائد الميداني المتحرك الّذي انقاد له كبار الأصحاب، وأنّه قد اكتسب نفوذاً وأتباعاً يصول بهم ويجول في جميع البلاد الإسلامية كما كان يصنع في زمن عثمان، بحسب هذه الروايات؟!
هذه التساؤلات وغيرها، هي في الواقع علامات استفهام كبيرة يضعها الباحثون وأهل التحقيق على طاولة البحث، وهي أسئلة مهمة يُطلب الإجابة عليها بردّ موضوعي مقنع، بغية الوصول إلى التصديق التام بهذه الحكاية! وإن كانت ـــ هذه الأسئلة ـــ تكشف في الواقع عن الفجوات الكبيرة الموجودة في هذه القصة (والّتي كما يبدو أنّها لم تحبك جيداً)، ولا أظن الأمر سهلاً على مريدي هذه الحكاية في إقناع أهل البحث والتحقيق بأنّ أسئلتهم هذه ليست بأمر ذي بال يستحق الوقوف عنده, أو لا ينبغي التشكيك بهذه الحكاية لأجلها!