السلف الصالح - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ١٣٩
والسؤال الثاني: لماذا تجرّأ عمر بن الخطاب بمثل تلك الجرأة، وخاطب النبيّ(صلى الله عليه وآله) بذلك الخطاب الّذي يهدف منه إلى تجريد النبيّ(صلى الله عليه وآله) عن قواه العقلية ليحيل بينه وبين كتابة ما يريد[١]؟!
والسؤال الثالث: لماذا لم يردّ الصحابة على عمر لجرأته هذه على النبيّ(صلى الله عليه وآله)، وكيف أنّهم - على العكس من ذلك - قد انقسموا إلى حزبين متنازعين, وأثاروا بينهم اللغط والتنازع بمسمع ومرأى من النبيّ الأقدس(صلى الله عليه وآله) ممّا اضطره(صلى الله عليه وآله) أن يخرجهم من غرفته؟!
والسؤال الرابع: لماذا لم يصرّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) على كتابة هذا الكتاب, بل نجده قد أمرهم بالقيام عنه بعد أن رأى لغطهم وتنازعهم؟!
إنّ هذه الأسئلة وغيرها ترد على ذهن كلّ قارئ يطالع هذه الواقعة الّتي يتناقلها المسلمون في صحاحهم ومجامعهم الحديثية، ويتداولوها بينهم بأعلى درجات الصحة والوثاقة.
وهذه الأسئلة أيضاً - في حقيقة الأمر - لا تحتاج إلى كثير عناء للإجابة عليها أو معرفة مغاليقها الّتي حرمت المسلمين من خير رسول الله(صلى الله عليه وآله) على الاُمّة بكتابة
[١] لا يخفى على كلّ عارف بالعربية أو عاقل لبيب أن يدرك أنّ كلمة (يهجر)، تعني أنَّ المتكلّم يهذي ولا يعي ما يقول (وهو معنى الكلمة كما في الصحاح للجوهري ٢: ٨٥١ وغيره)، وقد روى البعض - نتيجة لشعوره بفظاعة هذه الكلمة في حقّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)- هذه الكلمة بالمعنى دون اللفظ, تخفيفاً لوطأتها على السامع المسلم, فقال: بأنّ عمر قال كلمة معناها غلب عليه الوجع...إلا أنّ الملاحظ لهذه العبارة يجدها أيضاً لا تختلف عن المعنى الأصلي كثيراً، إذ من الواضح أنّ الراد على مريض ما بمثل هذا الكلام فإنّه لا يتعدّى أن يريد: أنّ هذا المريض قد غلبه الوجع وأنّه لم يعد يضبط كلماته، أي: أنّه يهذي ولا يعي ما يقول! فالمؤدّى واحد في كلّ الأحوال.