سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧٧ - تنبيهات
عمر بن شبّة بعد أن روى أن اسم كاتب الكتاب بين المسلمين و قريش علي بن أبي طالب من طرق، ثمّ روى من طريق آخر أنّ اسم الكاتب محمد بن مسلمة، ثم قال: حدّثنا يزيد بن عائشة يزيد بن عبيد اللّه بن محمد التيمي قال: كان اسم هشام بن عكرمة بغيضا، و هو الذي كتب الصحيفة فشلّت يده فسمّاه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- هشاما.
قال الحافظ: و هو غلط فاحش، فإنّ الصّحيفة الّتي كتبها هشام بن عكرمة هي التي اتّفقت عليها قريش لما حصروا بني هاشم و بني عبد المطلب في الشّعب، و ذلك بمكة قبل الهجرة- أي كما سبق، فتوهّم عمر بن شبّة أن المراد بالصحيفة كتاب القصة التي وقعت بالحديبية، و ليست كذلك، بل بينهما نحو عشر سنين.
الثامن و العشرون: وقع في بعض طرق حديث البراء بعد أن ذكر امتناع علي- رضي اللّه عنه- من محو «هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)» فأخذ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- الكتاب و ليس يحسن يكتب فكتب «هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد اللّه» إلى آخره، و سيأتي الكلام على ذلك في الخصائص إن شاء اللّه تعالى.
التاسع و العشرون: امتناع عليّ- رضي اللّه عنه- من محو لفظ «رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)» من باب الأدب المستحبّ، لأنّه لم يفهم من النبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلم)- تحتيم محو عليّ بنفسه، و لهذا لم ينكر عليه، و لو تحتّم محوه بنفسه لم يجز لعلىّ تركه، و لما أقرّه النبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلم)- على المخالفة. و في قوله- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «فإنّ لك مثلها- تعظيما- و أنت مضطهد»: أي مقهور، معجزة ظاهرة لما وقع لعليّ- رضي اللّه عنه- في التحكيم كما سيأتي في ترجمته.
الثلاثون: قال الخطّابي- (رحمه اللّه)- تعالى: تأوّل العلماء ما وقع في قصّة أبي جندل على وجهين.
أحدهما: أن اللّه- تعالى- قد أباح «التّقيّة» إذا خاف الهلاك، و رخصّ له أن يتكلم بالكفر مع إضمار الإيمان إن [كان] يمكنه التورية، فلم يكن ردّه إليهم إسلاما لأبي جندل إلى الهلاك مع وجود السّبيل إلى الخلاص من الموت بالتّقيّة.
و الوجه الثاني: أنّه إنما ردّه إلى أبيه، و الغالب أنّ أباه لا يبلغ به الهلاك، و إن عذّبه أو سجنه فله مندوحة بالتّقية أيضا، و أمّا ما يخاف عليه من الفتنة فإن ذلك امتحان من اللّه- تعالى- يبتلي به صبر عباده المؤمنين.
الحادي و الثلاثون: اختلف العلماء (رحمهم اللّه)، هل يجوز الصلح مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء مسلما من عندهم إلى بلاد المسلمين أم لا؟ فقيل: نعم، على ما دلّت عليه قصّة أبي جندل و أبي بصير. و قيل: لا. و إن الذي وقع في القصّة: منسوخ، و إن ناسخه «أنا