سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٧١ - تنبيهات
القصّة وقعت عام الفتح، فإن لم يكن فقد روى عمر بن شبّة في كتاب مكّة من طريق علي بن بذيمة بالموحدة، وزن عظيمة التّابعي، قال: «دخل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- الكعبة. و دخل معه بلال، و جلس أسامة على الباب، فلمّا خرج وجد أسامة قد احتبى، فأخذ بحبوته فحلها».
الحديث فلعله احتبى فاستراح فنعس، فلم يشاهد صلاته، فلما سئل عنها نفاها مستصحبا للنفي، لقصر زمن احتبائه، و في كل ذلك إنما نفى رؤيته، لا ما في نفس الأمر. و بعض العلماء حمل الصلاة المثبتة على اللّغويّة، و المنفيّة على الشّرعيّة، و يردّ هذا الحمل ما تقدّم في بعض طرقه الصّحيحة: أنّه صلّى ركعتين، فظهر أنّ المراد الشّرعية لا مجرد الدّعاء. و قال المهلب [١] شارح البخاري: يحتمل أن يكون دخول البيت وقع مرّتين. صلّى في إحداهما و لم يصلّ في الأخرى، و قال ابن حبّان: الأشبه عندي في الجمع، أن يجعل الخبران في وقعتين، فيقال، لمّا دخل الكعبة في الفتح صلّى فيها على ما رواه ابن عمر عن بلال، و يجعل نفي ابن عباس الصّلاة في الكعبة في حجته الّتي حجّ فيها، لأن ابن عبّاس نفاها و أسند ذلك إلى أسامة و أخيه الفضل، و ابن عمر أثبتها، و أسند ذلك إلى أسامة، و إلى بلال و أسامة أيضا، فإذا حمل الخبر على ما وصفنا بطل التعارض. قال الحافظ: و هو جمع حسن لكن تعقّبه النووي بأنه لا خلاف أنه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- دخل يوم الفتح لا في حجّة الوداع، و يشهد له ما رواه الأزرقي عن سفيان بن عيينة عن غير واحد من أهل العلم: أنّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح، ثم حجّ فلم يدخلها، و إذا كان الأمر كذلك فلا يمتنع أن يكون دخلها عام الفتح مرّتين و يكون المراد بالواحدة الّتي في خبر ابن عيينة واحدة السّفر لا الدّخول، و قد وقع عند الدّار قطني من طريق ضعيفة ما يشهد لهذا الجمع. قلت: قال الدّارقطني في سننه: و اعتمد القاضي عز الدين بن جماعة ذلك. و استدلّ له أيضا بأن الإمام أحمد قال في مسنده: حدثنا هشيم قال: أخبرنا عبد الملك عن عطاء، قال: قال أسامة بن زيد: دخلت مع النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلم) البيت فجلس فحمد اللّه تعالى و أثنى عليه و هلله و كبّره، و خرج و لم يصلّ، ثم دخلت معه في اليوم الثّاني، فقام، و دعا ثمّ صلّى ركعتين، ثمّ خرج فصلّى ركعتين خارج البيت مستقبل وجه الكعبة، ثم انصرف، فقال: «هذه القبلة» و رواه أحمد بن منيع. قلت: لم أقف على هذا الحديث في مجمع الزوائد للهيثمي، و لا في إتحاف المهرة للأبوصيري، لا في كتاب الصّلاة، و لا في كتاب الحج فاللّه أعلم. و الّذي
في مجمع الزّوائد عن ابن عبّاس قال: دخل النبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلم)- الكعبة، فصلّى بين السّاريتين ركعتين، ثم خرج و صلّى بين الباب و بين الحجر ركعتين، ثم قال: «هذه القبلة» ثم
[١] هو المطلب بن أحمد بن أسيد الأسدي من تصانيفه شرح الجامع لصحيح البخاري توفي سنة ٤٣٥، انظر معجم المؤلفين ١٣/ ٣٢.