سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧ - ذكر اعتراف كعب بن أسد كبير بني قريظة و غيره بصدق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
كتابكم فتأمنون به على دمائكم و أموالكم و نسائكم، و اللّه إنكم لتعلمون أنّ محمّدا نبي، و ما منعنا من الدّخول معه إلّا الحسد للعرب حيث لم يكن نبيا من بني إسرائيل، فهو حيث جعله اللّه، و لقد كنت كارها لنقض العهد و العقد و لكنّ البلاء و الشؤم من هذا الجالس- يعني حييّ بن أخطب- و لقد كان حييّ بن أخطب دخل معهم في حصنهم حين رجعت عنهم قريش و غطفان، وفاء لكعب بن أسد، بما كان عاهده عليه- أ تذكرون ما قال لكم ابن جوّاس حين قدم عليكم: تركت الخمر و الخمير و التمير، و أجئت إلى السّقاء و التّمر و الشّعير، قالوا: و ما ذاك؟ قال: إنّه يخرج بهذه القرية نبيّ، فإن يخرج و أنا حيّ أتبعه و أنصره، و إن خرج بعدي، فإياكم أن تخدعوا عنه، و اتّبعوه، فكونوا أنصاره و أولياءه، و قد آمنتم بالكتابين، كليهما الأوّل و الآخر، و أقرئوه منّي السّلام، و أخبروه أنّي مصدّق به. قال كعب: فتعالوا فلنتابعه و نصدّقه، فقالوا: لا نفارق حكم التّوراة أبدا، و لا نستبدل به غيره، قال: فإذا أبيتم علىّ هذه فهلمّ فلنقتل أبناءنا و نساءنا، ثمّ نخرج إلى محمّد و أصحابه رجالا مصلتين السّيوف و لم نترك وراءنا ثقلا حتّى يحكم اللّه بيننا و بين محمّد، فإن نهلك نهلك، و لم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، إن نظهر فلعمري لنجدنّ النّساء و الأبناء. قالوا: أ نقتل هولاء المساكين؟! فما خير العيش بعدهم؟
قال: فإن أبيتم علىّ هذه فإن اللّيلة ليلة السّبت، و أنّه عسى و أن يكون محمد و أصحابه قد أمنوا فيها فانزلوا، لعلّنا نصيب من محمّد و أصحابه غرّة، قالوا: نفسد سبتنا و نحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا إلّا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ! فقال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمّه ليلة واحدة من الدّهر حازما، فقال ثعلبة و أسيد ابنا سعية، و أسد بن عبيد ابن عمّهم، و هم نفر من هذيل ليسوا من بني قريظة، و لا النّضير، نسبهم فوق ذلك و هم بنو عمّ القوم: يا معشر بني قريظة، و اللّه إنكم لتعلمون أنّه رسول اللّه، و أنّ صفته عندنا، و حدّثنا بها علماؤنا و علماء بني النّضير، هذا أولهم: يعني حييّ بن أخطب مع جبير بن الهيبان- أنه أصدق النّاس عندنا، هو خبّرنا بصفته عند موته. قالوا: لا نفارق التّوراة. فلمّا رأى هولاء النّفر إباءهم نزلوا تلك الليلة الّتي في صبحها نزلت بنو قريظة فأسلموا و أمنوا على أنفسهم و أهليهم و أموالهم.
و قال عمرو بن سعدى: يا معشر يهود، إنكم قد حالفتم محمّدا على ما حالفتموه عليه، فنقضتم عهده الذي كان بينكم و بينه، فلم أدخل فيه، و لم أشرككم في غدركم، فإن أبيتم أن تدخلوا معه فاثبتوا على اليهودية و أعطوا الجزية فو اللّه ما أدري يقبلها أم لا، قالوا: فنحن لا نقرّ للعرب بخرج في رقابنا يأخذونه، القتل خير من ذلك، قال: فإنّي بريء منكم. و خرج في تلك الليلة مع ابني سعية، فمرّ بحرس رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و عليهم محمد بن مسلمة، فقال محمد:
من هذا؟ قال: عمرو بن سعدى، قال محمّد: مرّ اللّهمّ لا تحرمني إقالة عثرات الكرام، و خلّى