سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧٥ - ذكر حديث كعب بن مالك و أصحابه- رضي اللّه عنهم
حتى يقضي اللّه تعالى فيك ما يشاء» فقمت، فمضيت و ثار رجال من بني سلمة فاتبعوني،
فقالوا: ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، و لقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بما اعتذر به إليه المخلّفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- لك. فو اللّه ما زالوا يؤنّبوني، حتى أردت أن أرجع فأكذّب نفسي، فقلت: ما كنت لأجمع أمرين: أتخلف عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و أكذبه، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا:
نعم رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري، و هلال بن أميّة الواقفي.
و عند ابن أبي حاتم من مرسل الحسن أن سبب تخلف الأول أنه كان له حائط حين زها، فقال في نفسه: قد غزوت قبلها فلو أقمت عامي هذا؟! فلما تذكر ذنبه قال: اللهم أشهدك أني قد تصدقت به في سبيلك. و أن الثاني كان له أهل تفرقوا ثم اجتمعوا فقال: لو أقمت هذا العام عندهم. فلما تذكر قال: اللهم لك على أن لا أرجع إلى أهلي و لا مالي.
قال كعب: فذكروا رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي. و نهى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس و تغيروا لنا- و عند ابن أبي شيبة. فطفقنا نغدو في الناس لا يكلمنا أحد، و لا يسلم علينا أحد، و لا يرد علينا سلاما، و عند عبد الرزاق و تنكر لنا الناس حتى ما هم بالذي نعرف و تنكرت لنا الحيطان حتى ما هي بالتي نعرف انتهى. ما من شيء أهم إلي من أن أموت فلا يصلي عليّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- أو يموت فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد و لا يصلى عليّ- حتى تنكرت في نفسي الأرض حتى ما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا، و قعدا في بيتهما يبكيان، و أما أنا فكنت أشبّ القوم و أجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، و أطوف الأسواق فلا يكلمني أحد، و لا يرد عليّ سلاما و آتي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و هو في مجلسه بعد الصّلاة فأسلم عليه و أقول في نفسي: هل حرّك شفتيه برد السلام عليّ أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل عليّ، فإذا التفت نحوه أعرض عني. حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة، و هو ابن عمي: أي أنه من بني سلمة و ليس هو ابن عمه أخو أبيه الأقرب، قال كعب: و هو أحب الناس إلي، فسلمت عليه فو اللّه ما رد عليّ، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك باللّه، هل تعلمني أحبّ اللّه و رسوله؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت [فعدت له فنشدته] فلم يكلمني، حتى إذا كان في الثالثة أو الرابعة قال: اللّه و رسوله أعلم. ففاضت عيناي، و توليت حتى تسورت الجدار، قال فبينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا بنبطي من