سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٤ - ذكر قدوم بديل بن ورقاء الخزاعي و رسل قريش على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
معه، و أكون لكم عينا آتيكم بخبره، فبعثته قريش إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فجاء رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فقال: يا محمد، تركت كعب ابن لؤي و عامر بن لؤي على أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل قد استنفروا لك الأحابيش و من أطاعهم، قد لبسوا جلود النّمور، و هم يقسمون باللّه لا يخلّون بينك و بين البيت حتى تجتاحهم، و إنما أنت و من قاتلهم بين أحد أمرين أن تجتاح قومك و لم يسمع برجل اجتاح قومه و أهله قبلك. أو بين أن يخذلك من ترى معك، و إنّي و اللّه لا أرى معك وجوها و إنّي لا أرى إلا أوباشا، و في رواية: فإني لأرى أشوابا [١] من الناس، لا أعرف وجوههم و لا أنسابهم، و خليقا أن يفرّوا و يدعوك. و في رواية: و كأني بهم لو قد لقيت قريشا أسلموك فتؤخذ أسيرا، فأيّ شيء أشدّ عليك من هذا؟ فغضب أبو بكر- و كان قاعدا خلف رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فقال: أمص بظر اللّات، أ نحن نخذله أو نفرّ عنه؟! فقال عروة: من ذا؟ قالوا: أبا بكر. فقال عروة: أما و اللّه لو لا يد لك عندي لم أجزك بها لأجيبنّك.
و كان عروة قد استعان في حمل دية فأعانه الرجل بالفريضتين و الثلاث، و أعانه أبو بكر بعشر فرائض فكانت هذه يد أبي بكر عند عروة، و طفق عروة كلّما كلّم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- مسّ لحية رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و المغيرة ابن شعبة قائم على رأس رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بالسّيف،- على وجهه المغفر- لمّا قدم عروة لبسها، فطفق المغيرة كلّما أهوى عروة بيده ليمسّ لحية النّبيّ- (عليه الصلاة و السلام)- يقرع يده بنعل السّيف و يقول: أكفف يدك عن مسّ لحية رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قبل ألّا تصل إليك، فإنّه لا ينبغي لمشرك أن يمسّه. فلما أكثر عليه غضب عروة و قال: ويحك!! ما أفظّك و أغلظك! و قال: ليت شعري!! من هذا الذي آذاني من بين أصحابك؟ و اللّه لا أحسب فيكم ألأم منه و لا أشرّ منزلة.
فتبسّم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و قال: «هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة»
فقال عروة: و أنت بذلك يا غدر، و اللّه ما غسلت عنك غدرتك بعكاظ إلّا أمس، لقد أورثتنا العداوة من ثقيف إلى آخر الدّهر- و سيأتي في ترجمة المغيرة بيان هذه الغدرة.
و جعل عروة يرمق أصحاب النبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بعينه، فو اللّه ما يتنخّم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- نخامة إلّا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه و جلده، و إذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره، و إذا توضّأ كادوا يقتتلوا على وضوئه، و لا يسقط شيء من شعره إلا أخذوه، و إذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، و ما يحدّون النظر إليه، تعظيما له.
فلما فرغ عروة من كلام رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و ردّ عليه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- مثل ما قال لبديل بن ورقاء و كما عرض عليهم من المدة. فأتى عروة قريشا، فقال: يا قوم إني وفدت إلى
[١] الأوشاب الأوباش، و الأخلاط من الناس، انظر المعجم الوسيط ٢/ ١٠٤٥.