سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦٢ - ذكر قدوم أبي بصير على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و رده إليهم و ما حصل له و لأصحابه من الفرج
و الحصى يطير من تحت قدميه من شدّة عدوه، و أبو بصير في أثره، فأعجزه
و أتى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و هو جالس في أصحابه بعد العصر، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- حين رآه: «لقد رأى هذا ذعرا فلما انتهى إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «ويحك مالك» قال: قتل و اللّه صاحبكم صاحبي و أفلت منه و لم أكد، و إني لمقتول. و استغاث برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فأمّنه، و أقبل أبو بصير فأناخ بعير العامريّ. و دخل متوشّحا سيفه. فقال: يا رسول اللّه قد وفت ذمّتك و أدّى اللّه عنك، و قد أسلمتني بيد العدو، و قد امتنعت بديني من أن أفتن، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «ويل أمّه مسعر حرب [١]» و في لفظ «محشّ حرب، لو كان معه رجال» و في لفظ له أحد
قال عروة و محمد بن عمر: و قدّم سلب العامريّ لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- ليخمسه، فقال: «إني إذا خمسته رأوني لم أوف لهم بالّذي عاهدتهم عليه، و لكن شأنك بسلب صاحبك، و اذهب حيث شئت» و في الصحيح أن أبا بصير لما سمع
قول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «ويل امّه مشعر حرب لو كان معه أحد»
عرف أنّه سيرده، فخرج أبو بصير و معه خمسة كانوا قدموا معه مسلمين من مكة حين قدم على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فلم يكن طلبهم أحد حتى قدموا سيف البحر، و لمّا بلغ سهيل بن عمرو قتل أبو بصير العامريّ اشتدّ عليه و قال: ما صالحنا محمدا على هذا. فقالت قريش: قد برئ محمد منه قد أمكن صاحبكم منه فقتله بالطريق، فما على محمد في هذا؟ فأسند سهيل ظهره إلى الكعبة و قال: و اللّه لا أؤخّر ظهري حتّى يودى هذا الرجل، قال أبو سفيان بن حرب: إنّ هذا لهو السّفه، و اللّه لا يودى ثلاثا- و أنّى قريش تديه و إنما بعثته بنو زهرة؟ فقال الأخنس بن شريق: و اللّه ما نديه، ما قتلناه و لا أمرنا بقتله، قتله رجل مخالف فأرسلوا إلى محمد يديه. فقال أبو سفيان بن حرب: لا، ما على محمد دية و لا غرم قد برئ محمد. ما كان على محمد أكثر مما صنع، فلم تخرج له دية فأقام أبو بصير و أصحابه بسيف البحر، و قال ابن شهاب: بين العيص و ذي المروة من أرض جهينة على طريق عيرات قريش.
قال محمد بن عمر: لما خرج أبو بصير لم يكن معه إلّا كفّ تمر فأكله ثلاثة أيام، و أصاب حيتانا قد ألقاها البحر بالسّاحل فأكلها، و بلغ المسلمين الذين قد حبسوا بمكّة خبر أبي بصير، فتسللوا إليه.
قال محمد بن عمر: كان عمر بن الخطاب هو الذي كتب إليهم بقول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- لأبي بصير «ويل أمّه محش حرب لو كان له رجال» و أخبرهم أنه بالسّاحل، و انفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو الذي ردّه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- إلى المشركين بالحديبية، فخرج هو و سبعون راكبا ممّن أسلموا فلحقوا بأبي بصير، و كرهوا أن يقدموا على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- في
[١] مشعر حرب أي موقدها، انظر المعجم الوسيط ١/ ٤٣٢.