سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٠٧ - ذكر إخباره- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بأن أبا سفيان سيقدم ليجدد العهد فكان كما أخبر
فأتى عثمان بن عفّان- رضي اللّه عنه- فقال إنّه ليس في القوم أحد أقرب رحما منك، فزد في المدة، و جدّد العهد، فإنّ صاحبك لا يردّه عليك أبدا، فقال عثمان: جواري في جوار رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم).
فأتى عليا- رضي اللّه تعالى عنه- فقال: يا علي إنك أمسّ القوم بي رحما، و إني جئت في حاجة فلا أرجع كما جئت خائبا، فاشفع لي إلى محمد. فقال: ويحك يا أبا سفيان! و اللّه لقد عزم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فأتى سعد بن عبادة- رضي اللّه تعالى عنه- فقال: يا أبا ثابت أنت سيد هذه البحيرة فأجر بين الناس، و زد في المدة، فقال سعد: جواري في جوار رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و ما يجير أحد على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فأتى أشراف قريش و الأنصار فكلهم يقول جواري في جوار رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- ما يجير أحد على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فما أيس ممّا عندهم، دخل على فاطمة الزّهراء- رضي اللّه عنها- و الحسن غلام يدبّ بين يديها فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تجيري بين النّاس؟ فقالت: إنّما أنا امرأة، و أبت عليه، فقال: مري ابنك هذا- أي الحسن بن علي- رضي اللّه عنهما- فيجير بين النّاس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدّهر. قالت: و اللّه ما بلغ ابني ذلك أن يجير بين الناس، و ما يجير أحد على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم).
فقال لعلي: يا أبا الحسن!! إن أرى الأمور قد اشتدّت عليّ فانصحني، قال: و اللّه ما أعلم شيئا يغنى عنك شيئا، و لكنك سيّد بني كنانة و قال: صدقت، و أنا كذلك. قال: فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيا عنّي شيئا؟ قال: لا و اللّه، و لكن لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيّها النّاس إنّي قد أجرت بين الناس و لا و اللّه ما أظن أن يخفرني أحد،
ثم دخل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فقال: يا محمد إني قد أجرت بين الناس فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة!!» ثم ركب بعيره و انطلق.
و كان قد احتبس و طالت غيبته، و كانت قريش قد اتّهمته حين أبطأ أشدّ التهمة، قالوا:
و اللّه إنّا نراه قد صبأ، و اتّبع محمدا سرا و كتم إسلامه.
فلما دخل على هند امرأته ليلا، قالت: لقد احتبست حتّى اتّهمك قومك، فإن كنت مع الإقامة جئتهم بنجح فأنت الرجل، ثم دنا منها فجلس مجلس الرجل من امرأته. فقالت ما صنعت؟ فأخبرها الخبر، و قال: لم أجد إلّا ما قال لي عليّ، فضربت برجلها في صدره و قالت:
قبّحت من رسول قوم، فما جئت بخير.
فلما أصبح أبو سفيان حلق رأسه عند إساف و نائلة، و ذبح لهما، و جعل يمسح بالدم