سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٠٦ - ذكر إخباره- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بأن أبا سفيان سيقدم ليجدد العهد فكان كما أخبر
قالوا: لا. فأبت نفسه أن تقرّه حتى قال: يا بديل: هل جئت محمدا؟ قال: لا ما فعلت، و لكن سرت في بلاد بني كعب و خزاعة من هذا السّاحل في قتيل كان بينهم فأصلحت بينهم. فقال أبو سفيان: إنك- و اللّه- ما علمت برّ و أصل، ثم قايلهم أبو سفيان حتّى راح بديل و أصحابه، فجاء أبو سفيان منزلهم ففتّ أبعار أباعرهم فوجد فيها نوى من تمر عجوة كأنها ألسنة الطّير، فقال أبو سفيان: أحلف باللّه لقد جاء القوم محمّدا [١].
و كان القوم لما كانت الوقعة خرجوا من صبح ذلك اليوم فساروا ثلاثا، و خرجوا من ذلك اليوم فساروا إلى حيث لقيهم أبو سفيان ثلاثا، و كانت بنو بكر قد حبست خزاعة في داري بديل و رافع ثلاثة أيام يكلمون فيهم، و ائتمرت قريش في أن يخرج أبو سفيان، فأقام يومين. فهذه خمس بعد مقتل خزاعة، و أقبل أبو سفيان حتى دخل المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة زوج النّبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فأراد أن يجلس على فراش رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فطوته دونه. فقال: يا بنيّة!! أرغبت بهذا الفراش عنى أو بي عنه؟ قالت: بل هو فراش رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و أنت امرؤ مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراش رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قال: يا بنيّة لقد أصابك بعدي شر، فقالت: بل هداني اللّه للإسلام. و أنت يا أبت سيّد قريش و كبيرها، كيف يسقط عنك الدّخول في الإسلام، و أنت تعبد حجرا لا يسمع و لا يبصر؟ فقام من عندها،
فأتى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و هو في المسجد، فقال: يا محمد!! إنّي كنت غائبا في صلح الحديبية فاشدد العهد، و زدنا في المدّة، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «فلذلك جئت يا أبا سفيان؟» قال: نعم. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «هل كان من قبلكم من حدث؟» قال معاذ اللّه نحن على عهدنا و صلحنا يوم الحديبية لا نغيّر و لا نبدّل، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «فنحن على مدّتنا و صلحنا يوم الحديبية لا نغيّر و لا نبدّل» فأعاد أبو سفيان على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- القول، فلم يردّ عليه شيئا.
فذهب إلى أبي بكر- رضي اللّه عنه- فكلمه و قال: تكلم محمدا أو تجير أنت بين الناس، فقال أبو بكر: جواري في جوار رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- زاد ابن عقبة: و اللّه لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم.
فأتى عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه- فكلمه بمثل ما كلّم به أبا بكر، فقال: أنا أشفع لكم عند رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)!! فو اللّه لو لم أجد إلّا الذرّ لجاهدتكم به، ما كان من حلفنا جديدا فأخلقه اللّه، و ما كان منه متينا فقطعه اللّه، و ما كان منه مقطوعا فلا وصله اللّه. فقال أبو سفيان جوزيت من ذي رحم شرا.
[١] المغازي ٢/ ٧٩٢.