سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٠١ - ذكر خروج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- لطلب العدو
انتهوا إلى الموضع الّذي تعالجنا فيه إذا هم بأبي قتادة- فيما يرون مسجّى في ثيابه، فقال رجل من الصّحابة: يا رسول اللّه، قد استشهد أبو قتادة، قال، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم): «رحم اللّه أبا قتادة، و الّذي أكرمني بما أكرمني به إنّ أبا قتادة على آثار القوم يرتجز». فدخلهم الشّيطان أنهم ينظرون إلى فرسي قد عرقبت، و ينظرون إليه مسجى عليه ثيابي [١].
قال: فخرج عمر بن الخطّاب و أبو بكر- رضي اللّه عنهما- يسعيان حتى كشف الثّوب، فإذا وجه مسعدة، فقالا: اللّه أكبر، صدق اللّه و رسوله، مسعدة يا رسول اللّه. فكبّر الناس، و لم ينشب أن طلع عليهم أبو قتادة يحوش اللّقاح،
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «أفلح وجهك يا أبا قتادة، أبو قتادة سيّد الفرسان، بارك اللّه فيك يا أبا قتادة» [٢].
قال: قلت: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، سهم أصابني، و الّذي أكرمك بما أكرمك، و في ولدك و في ولد ولدك- و أحسب عكرمة قال و في ولد ولد ولدك. ما هذا بوجهك يا أبا قتادة؟ قد ظننت أنّي قد نزعته، قال: «ادن منّي يا أبا قتادة» قال: فدنوت منه. قال: فنزع النّصل نزعا رفيقا، ثم بزق فيه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و وضع راحته عليه، فو الذي أكرم محمدا- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بالنبوة ما ضرب عليّ ساعة قط، و لا قرح قط عليّ.
و روى محمد بن عمر و ابن سعد عن أبي قتادة قال: لمّا أدركني رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قال: اللّهمّ بارك له في شعره و بشره، و قال: أفلح وجهك، قلت: و وجهك يا رسول اللّه، قال:
«قتلت مسعدة»؟ قلت: نعم، و ذكر نحو ما تقدّم قال: فمات أبو قتادة و هو ابن سبعين سنة و كأنه ابن خمس عشرة سنة.
و ذهب الصّريخ إلى بني عمرو بن عوف، فجاءت الإمداد، فلم تزل الخيل تأتي و الرجال على أقدامهم و الإبل، و القوم يعتقبون البعير و الحمار حتى انتهوا إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بذي قرد قال ابن إسحاق: و استنقذوا عشر لقاح زاد- فيها جمل لأبي جهل، و أفلت القوم بعشر.
و كانت راية رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- العقاب، يحملها سعد بن زيد، و كان شعارهم أمت أمت.
و صلّى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- يومئذ صلاة الخوف، و سيأتي بيانها في أبواب صلاته- (صلّى اللّه عليه و سلم) صلاة الخوف.
[١] أخرجه البيهقي في الدلائل ٤/ ١٩٣.
[٢] انظر الشفاء ١/ ٦٢٨.