سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٤٧ - ذكر استسقائه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- ربه حين شكوا إليه العطش، و ما وقع في ذلك من الآيات
تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم، و لا تشربوا من مائها و لا تتوضئوا منه للصلاة، و اعلفوا العجين الإبل» ثم ارتحل بهم حتى نزل على العين التي كانت تشرب منها الناقة، و قال: «لا تسألوا الآيات. فقد سألها قوم صالح، سألوا نبّيهم أن تبعث آية، فبعث اللّه تبارك و تعالى لهم الناقة، فكانت ترد هذا الفجّ و تصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، و كانت تشرب مياههم يوما، و يشربون لبنها يوما، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد اللّه تعالى من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم اللّه تعالى، قيل: من هو يا رسول اللّه؟ قال «أبو رغال» فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه، ما تدخلون على قوم غضب اللّه عليهم» فناداه رجل منهم:
تعجب منهم، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «ألا أنبئكم بأعجب من ذلك؟ رجل من أنفسكم فينبئكم بما كان قبلكم و ما هو كائن بعدكم فاستقيموا و سددوا، فإن اللّه تعالى لا يعبأ بعذابكم شيئا، و سيأتي اللّه بقوم لا يدفعون عن أنفسهم بشيء، و إنها ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقومن أحد، و من كان له بعير فليوثق عقاله، و لا يخرجن أحد منكم إلا و معه صاحب له»، ففعل الناس ما أمرهم به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- إلا رجلين من بني ساعدة، خرج أحدهما لحاجته و الآخر في طلب بعيره، فأما الذي خرج لحاجته فإنه خنق على مذهبه- أي موضعه- و أما الذي خرج في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيء اللذين يقال لأحدهما أجا و يقال للآخر سلمى، فأخبر بذلك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فقال: ألم أنهكم عن أن يخرج منكم أحد إلا و معه صاحبه ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي، و أما الآخر فإن طيئا أهدته لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- حين رجع إلى المدينة
[١].
ذكر استسقائه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- ربه حين شكوا إليه العطش، و ما وقع في ذلك من الآيات
روى البيهقي عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل بن أبي طالب (رحمه اللّه تعالى)- قال:
خرج المسلمون إلى تبوك في حر شديد فأصابهم يوم عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم ليعصروا أكراشها و يشربوا ماءها، فكان ذلك عسرة في الماء، و عسرة في النفقة، و عسرة في الظهر [٢] و روى الإمام أحمد و ابن خزيمة، و ابن حبان، و الحاكم عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال عمر: خرجنا إلى تبوك في يوم قيظ شديد، فنزلنا منزلا و أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى أن كان الرجل يذهب يلتمس
[١] أخرجه البخاري ٨/ ١٢٥ (٤٤١٩) و مسلم ٤/ ٢٢٨٦ (٣٨، ٣٩/ ٢٩٨٠، و أحمد ٢/ ٩، ٥٨، ٧٢، ٧٤، ١١٣، ١٣٧، و البيهقي في الدلائل ٥/ ٢٣٣، و في السنن ٢/ ٤٥١ و الحميدي (٦٥٣) و عبد الرزاق (١٦٢٥) و الطبراني في الكبير ١٢/ ٤٥٧ و انظر الدر المنثور ٤/ ١٠٤.
[٢] البيهقي في الدلائل ٥/ ٢٢٧.