سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦٨ - ذكر ما أنزل اللّه سبحانه و تعالى في شأن غزوة الحديبية قال اللّه سبحانه و تعالى
فيقدّر مبتدأ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها بعد، لما كان فيها من الجولة، و المراد: فارس و الرّوم قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها علم أنها ستكون لكم وَ كانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً لأن قدرته دائمة لا تختصّ بشيء دون شيء وَ لَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بالحديبية و لم يصالحوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ لانهزموا ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا يحرسهم وَ لا نَصِيراً ينصرهم سُنَّةَ اللَّهِ مصدر مؤكَّد بمضمون الجملة قبله من هزيمة الكافرين و نصر المؤمنين، أي سنّ اللّه- تعالى- ذلك سنّة الَّتِي قَدْ خَلَتْ مضت في الأمم كما قال- تعالى- لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي [المجادلة ٢١] مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا تغييرا منه وَ هُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ أي كفار مكة وَ أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ بالحديبية مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ فإن ثمانين طافوا بعسكركم ليصيبوا منكم غرّة فأخذوا، فأتى بهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فعفا عنهم، و خلّى سبيلهم، فكان ذلك سبب الصّلح وَ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من مقاتلتهم، و قرأ أبو عمرو بالتحتية بَصِيراً فيجازيهم عليه هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ عن الوصول إليه وَ الْهَدْيَ مَعْكُوفاً عليكم، معكوفا: محبوسا، حال أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ الذي ينحر فيه عادة و هو الحرم بدل اشتمال وَ لَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَ نِساءٌ مُؤْمِناتٌ موجودون بمكة مع الكفار لَمْ تَعْلَمُوهُمْ بصفة الإيمان أَنْ تَطَؤُهُمْ تقتلوهم مع الكفار لو أذن لكم في الفتح، بدل اشتمال فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ من جهتهم مَعَرَّةٌ مكروه، بوجوب الدّية، أو الكفارة بقتلهم، أو التأسف عليهم، أو غير ذلك بِغَيْرِ عِلْمٍ منكم به، و ضمائر الغيبة به للصنفين بتغليب الذكور، و جواب لو لا محذوف أي لأذن لكم في الفتح لكن لم يؤذن فيه حينئذ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ كالمؤمنين المذكورين لَوْ تَزَيَّلُوا تميزوا عن الكفار لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ من أهل مكة حينئذ بأن نأذن لكم في فتحها عَذاباً أَلِيماً مؤلماً إِذْ جَعَلَ متعلق بِعذَّبنا الَّذِينَ كَفَرُوا فاعل فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ الأنفة من الشيء حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ بدل من حميّة، و هي صدّهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و أصحابه عن المسجد الحرام فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فصالحوهم، على أن هذا يعود من قابل، و لم يلحقهم من الحميّة ما لحق الكفّار حتّى يقاتلوهم وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه، و أضيفت إلى التقوى لأنها سببها وَ كانُوا أَحَقَّ بِها من الكفار وَ أَهْلَها عطف تفسير وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً أي لم يزل متّصفا بذلك، و من معلومه تعالى أن المؤمنين أهلها لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِ رأى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- في النوم عام الحديبية قبل خروجه أنه يدخل مكة هو و أصحابه آمنين و يحلقون رؤوسهم و يقصرون، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا، فلّما خرجوا معه و صدّهم الكفّار بالحديبية و رجعوا، و شقّ عليهم ذلك، و راب بعض المنافقين