سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٧٢ - تنبيهات
دخل مرة أخرى، فقام يدعو و لم يصلّ. رواه الطبراني في الكبير،
قال الهيثمي: فيه أبو مريم، روى عن صغار التّابعين، و لم أعرفه، و بقية رجاله موثقون، و في بعضهم كلام.
و روى الأزرقيّ عن عبد المجيد بن عبد العزيز عن أبيه قال: بلغني أنّ الفضل ابن عباس دخل مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- يومئذ- أي يوم الفتح- فقال: لم أره صلّى فيها، قال أبي: و ذلك فيما بلغني أن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلم)- استعانه في حاجة فجاء و قد صلّى و لم يره. قال عبد المجيد: قال أبي، و ذلك أنه بعثه فجاء بذنوب من ماء زمزم يطمس به الصّور الّتي في الكعبة، فلذلك لم يره صلّى. قلت: و أيضا أنّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- أرسله و أسامة في ذلك- كما تقدّم في أسامة- و اعتمد الإمام تقيّ الدّين الفاسي في تاريخه من هذه الأجوبة ما رواه أبو داود الطّيالسي عن أسامة، و تعقب ما سواه بكلام نفيس جدا فراجعه فإنّك لا تجده في غير كتابه، و ذكره هنا ليس من غرضنا.
التاسع عشر: تقدّم أنّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- صلّى في الكعبة، و أنه جعل عمودين عن يساره و عمودا عن يمينه و ثلاثة أعمدة وراءه، و في رواية جعل عمودا عن يساره و عمودين عن يمينه و في أخرى عمودا عن يساره و عمودا عن يمينه و في رواية بين العمودين اليمانيين، و في أخرى بين العمودين تلقاء وجهه، و بين العمودين المقدمين، قال المحبّ الطّبري في الأحكام الكبرى: و هذا يؤيد رواية من روى أنّه جعل عمودين عن يمينه و عمودا عن يساره لأن الباب قريب من الحجر الأسود، جانح إلى جهة اليمين، و يفتح في جهة المشرق فإذا دخل منه و صلى تلقاء وجهه بين العمودين المقدمين اليمانيين و البيت يومئذ على ستة أعمدة فقد جعل عمودين عن يمينه و عمودا عن يساره، و ثلاثة أعمدة وراءه، و صلّى إلى جهة المغرب، و قوله اليمانيّين قد يشكل فإنها ثلاثة صفّ و جعل اثنين منها يمانيين ليس بأولى من جعلهما شامييّن، و الجواب: أنه إنّما جعل اثنين منهما يمانيين لأنّ مقرّ الثلاثة بصفة يمانيّ و بصفة شاميّ، فمن وقف بين المتمحض يمانيا و بين المشترك بين اليمن و الشام جاز أن يقال فيه: وقف بين اليمانيين باعتبار ما نسب منه إلى اليمن تجوّزا و من وقف بين المتمحض شاميا و بين المشترك جاز أن يقال فيه: وقف بين الشّاميين لما ذكرناه، أو تقول لما وقف بينهما كان هو إلى جهة اليمن أقرب، فأطلق عليهما يمانيين اعتبارا به، و الأول أظهر، و لا تضادّ بين هذا و بين قوله عمودا عن يمينه و عمودا عن يساره، فإنّ من ضرورة جعل عمودين عن يمينه أن يكون عمودا عن يمينه و الآخر مسكوتا عنه، و ليس في اللّفظ ما ينفيه، و قال الحافظ: ليس بين رواية: جعل عمودا عن يمينه و عمودا عن يساره مخالفة، لكن قوله في رواية مالك: و كان البيت يومئذ على ستّة أعمدة مشكل، لأنه يشعر بكون ما عن يمينه أو يساره كان اثنين، و يمكن الجمع بين الرّوايتين بأنّه حيث ثنّى أشار إلى ما كان عليه البيت في زمن النّبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و حيث أفرد أشار إلى ما صار إليه بعد ذلك، و يرشد إلى ذلك