سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢١٥ - ذكر إعلامه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بالليل بأن أبا سفيان في الأراك و أمره بأخذه
الظّهران، فقال: «إنّ أبا سفيان بالأراك فخذوه» فدخلنا، فأخذناه
[١].
قال ابن عقبة: فبينما هم، يعني أبا سفيان، و حكيم بن حزام، و بديلا بن ورقاء كذلك لم يشعروا حتى أخذهم نفر كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بعثهم عيونا له، فأخذوا بخطم أبعرتهم فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: هذا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و أصحابه، فقال أبو سفيان: هل سمعتم بمثل هذا الجيش، نزلوا على أكباد قوم لم يعلموا بهم.
و روى ابن أبي شيبة عن أبي سلمة، و يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب- (رحمهما اللّه تعالى)- قالا: أخذ أبو سفيان و أصحابه و كان حرس رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- نفر من الأنصار، و كان عمر بن الخطّاب- رضي اللّه عنه- تلك الليلة على الحرس، فجاؤوا بهم إليه، فقالوا: جئناك بنفر أخذناهم من أهل مكة، فقال عمر و هو يضحك إليهم: و اللّه لو جئتموني بأبي سفيان ما زدتم. قالوا: قد و اللّه آتيناك بأبي سفيان. فقال: احبسوه فحبسوه حتى أصبح. فغدا به على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و قال ابن عقبة: لما دخل الحرس بأبي سفيان و صاحبيه، لقيهم العبّاس بن عبد المطّلب، فأجارهم.
و روى ابن أبي شيبة عن عكرمة: أن أبا سفيان لما أخذه الحرس قال: دلّوني على العبّاس، فأتى العباس فأخبره الخبر، و ذهب به إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم).
و روى إسحاق بن راهويه- بسند صحيح عن ابن عبّاس- رضي اللّه عنهما- أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- لما نزل مرّ الظهران، رقّت نفس العبّاس لأهل مكة فقال: و اصباح قريش، و اللّه لئن دخلها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر،
قال العبّاس: فأخذت بغلة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- الشّهباء فركبتها، و قلت:
ألتمس حطّابا، أو صاحب لبن، أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة، فو اللّه إنّي لفي الأراك ألتمس ما خرجت إليه إذ سمعت كلام أبي سفيان، و بديل بن ورقاء، و هما يتراجعان، و أبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط و لا عسكرا! فقال بديل بن ورقاء: هذه و اللّه خزاعة حمشتها الحرب، فقال أبو سفيان: خزاعة أقلّ و أذلّ من أن تكون هذه نيرانها و عسكرها، قال العباس: فعرفت صوت أبي سفيان، فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي، فقال: لبّيك يا أبا الفضل، مالك فداك أبي و أمّي!! و عرف صوتي، فقلت: ويلك!! هذا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- في عشرة آلاف فقال: و اصباح قريش و اللّه بأبي أنت و أمي فما تأمرني، هل من حيلة؟ قلت: نعم، اركب عجز هذه البغلة،
[١] ذكره الهيثمي في المجمع ٥/ ١٧٢.