سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦٦ - ذكر ما أنزل اللّه سبحانه و تعالى في شأن غزوة الحديبية قال اللّه سبحانه و تعالى
رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و في أصحابه حتى انتهى إلى ذكر البيعة فقال عزّ و جلّ إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ بيعة الرضوان بالحديبية إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ أي ما يبايعون أحدا إلّا اللّه، أي ليست تلك المبايعة مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بل مع اللّه- تعالى- و كما روعيت المشاكلة بين قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ و بين قوله إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ بنى عليها قوله يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ على سبيل الاستعارة التخييلية تتميما لمعنى المشاكلة، و هو كالترشيح للاستعارة، أي إذا كان اللَّه- تعالى- مبايعا، و لا بدّ للمبايع- كما تقرّر و اشتهر- من الصّفقة لليد فتخيّل اليد لتأكيد المشاكلة، و إلّا، فجلّ جنابه الأقدس عن الجارحة، و المعنى أنّ اللّه تعالى- مطّلع على مبايعتهم فيجازيهم عليها فَمَنْ نَكَثَ نقض البيعة فَإِنَّما يَنْكُثُ يرجع وبال نقضه على نفسه وَ مَنْ أَوْفى ثبت بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ في مبايعته فَسَنُؤْتِيه بالفوقية و النون أَجْراً عَظِيماً و هو الجنة، ثم ذكر تعالى ما المنافقون يعتلّون به إذا لقوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فقال تبارك و تعالى: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ من الأَعراب حول المدينة، الذين خلّفهم اللّه- تعالى- عن صحبتك لمّا طلبتهم ليخرجوا معك إلى مكة، خوفا من تعرّض قريش لك عام الحديبية إذا رجعت منها شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَ أَهْلُونا عن الخروج معك فَاسْتَغْفِرْ لَنا اللَّه- تعالى- من ترك الخروج معك، قال سبحانه و تعالى مكذبا لهم يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ أي من طلب الاستغفار و الاعتذار ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ فهم كاذبون في اعتذارهم قُلْ فَمَنْ استفهام بمعنى النّفي، أي لا أحد يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا بفتح الضّاد- ما يضركم كقتل، و خلل في المال و الأهل و عقوبة عن التخلف- و بضمها- أي [الهزال و سوء الحال] أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً ما يضاد ذلك، لأنهم ظنّوا أنّ تخلفهم عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- يدفع عنهم الضّرر، و يعجّل لهم النّفع بالسلامة في أنفسهم و أموالهم، فأخبرهم تبارك و تعالى أنه إن أراد بهم شيئا من ذلك لم يقدر أحد على دفعه بَلْ هنا و فيما يأتي للانتقال من غرض إلى آخر كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً فيعلم تخلفكم و قصدكم فيه بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَ الْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً أي ظننتم أن العدو يستأصلهم فلا يرجعون، وَ زُيِّنَ ذلِكَ عدم الانقلاب فِي قُلُوبِكُمْ فتمكنّ فيها وَ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ هذا و غيره وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً بواو وراء جمع بائر أي هالكين عند اللّه- تعالى- بهذا الظّن وَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا أعددنا و هيّئنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً نارا شديدة وَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يديره كيف يشاء يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ إذ لا وجوب عليه وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً و لم يزل متّصفا بذلك، ثم ذكر أن النبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و أصحابه إذا انطلقوا إلى مغانم ليأخذوها التمس المخلّفون الخروج لعرض من الدّنيا، فقال تبارك و تعالى سَيَقُولُ لك الْمُخَلَّفُونَ المذكورون إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ