سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٠٩ - تنبيهات
بن معتّب، و كان معه مال عظيم، فقال: هل لكم أن أبني لكم طرفا عليكم يكون لكم ردءا من العرب؟ فقالوا: نعم. فبناه بماله و هو الحائط المطيف به.
الثاني: اقتضت حكمة اللّه تعالى- تأخير فتح الطائف في ذلك العام لئلّا يستأصلوا أهله قتلا، لأنه تقدّم في باب سفره إلى الطائف أنه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- لمّا خرج إلى الطائف دعاهم إلى اللّه- تعالى- و أن يؤوه حتى يبلّغ رسالة ربه تبارك و تعالى، و ذلك بعد موت عمه أبي طالب فردّوا عليه ردّا عنيفا، و كذّبوه و رموه بالحجارة حتّى أدموا رجليه، فرجع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- مهموما فلم يستفق من همومه إلا عند قرن الثعالب [١] فإذا هو بغمامة و إذ فيها جبريل- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و معه ملك الجبال- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فناداه ملك الجبال،
فقال: يا محمّد إنّ اللّه- تعالى- يقرئك السّلام، و قد سمع قولة قومك و ما ردّوا عليك فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت»، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «بل أستأني بهم لعلّ اللّه عزّ و جلّ أن يخرج من أصلابهم من يعبد اللّه- تعالى- وحده لا يشرك به شيئا»
فناسب قوله: بل أستأني بهم أن لا يفتح حصنهم لئلا يقتلوا عن آخرهم، و إن يؤخّر الفتح ليقدموا بعد ذلك مسلمين في رمضان من العام القابل كما سيأتي في الوفود.
الثالث: لما منع اللّه سبحانه و تعالى- الجيش غنائم مكة فلم يغنموا منها ذهبا و لا فضة و لا متاعا و لا سبيا و لا أرضا، و كانوا قد فتحوها بأنجاب الخيل و الرّكاب، و هم عشرة آلاف و فيهم حاجة إلى ما يحتاجه الجيش من أسباب القوة، حرّك اللّه- سبحانه و تعالى- قلوب المشركين في هوازن لحربهم، و قذف في قلب كبيرهم مالك بن عوف إخراج أموالهم و نعمهم و شابّهم و شيبهم معهم نزلا و كرامة و ضيافة لحرب اللّه- تعالى- و جنده، و تمّم تقديره تعالى بأن أطمعهم في الظّفر، و ألاح لهم مبادئ النصر ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا. و لو لم يكن يقذف اللّه- تعالى- في قلب رئيسهم مالك بن عوف أن سوقهم معهم هو الصواب لكان الرأي ما أشار به دريد، فخالفه فكان ذلك سببا لتصييرهم غنيمة للمسلمين، فلما أنزل اللّه تعالى نصره على رسوله و أوليائه و ردّت الغنائم لأهلها و جرت فيها سهام اللّه- تعالى- و رسوله، قيل لا حاجة لنا في دمائكم و لا في نسائكم و ذراريكم، فأوحى اللّه- تعالى- إلى قلوبهم التوبة فجاءوا مسلمين. فقيل من شكران إسلامكم و إتيانكم أن تردّ عليكم نساؤكم و أبناؤكم و سبيكم و إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنفال ٧٠].
الرابع: اقتضت حكمة اللّه- تعالى- أن غنائم الكفار لما حصلت قسّمت على من لم يتمكن الإيمان من قلبه من الطبع البشري من محبة المال، فقسّمه فيهم لتطمئن قلوبهم،
[١] و قرن المنازل، و هو قرن الثعالب: ميقات أهل نجد تلقاء مكة، على يوم و ليلة. مراصد الإطلاع ٣/ ١٠٨٢.