سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٥ - ذكر قدوم بديل بن ورقاء الخزاعي و رسل قريش على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
الملوك: كسرى و قيصر و النجاشي و إني و اللّه ما رأيت ملكا قط أطوع فيما بين ظهرانيه من محمد في أصحابه، و اللّه إن رأيت ملكا قطّ يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمد محمدا، و ليس بملك و اللّه ما تنخّم نخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم فدلك بها وجهه و جلده، و إذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره، و إذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه أيّهم يظفر منه بشيء، و لا يسقط شيء من شعره إلّا أخذوه، و إذا تكلمّ خفضوا أصواتهم عنده، و ما يحدّون النظر إليه تعظيما له، و لا يتكلّم رجل منهم حتى يستأذن، فإن هو أذن له تكلم، و إن لم يأذن له سكت، و قد عرض عليكم خطّة رشد فاقبلوها، قد حرزت القوم، و اعلموا أنكم إن أردتم منهم السيف بذلوه لكم، و قد رأيت قوما لا يبالون ما يصنع بهم إذا منعتم صاحبهم، و اللّه لقد رأيت معه نساء ما كنّ ليسلمنه أبدا على حال، فروا رأيكم فأتوه يا قوم، و اقبلوا ما عرض عليكم، فإني لكم ناصح، مع أني أخاف أن لا تنصروا على رجل أتى زائرا لهذا البيت معظّما له، معه الهدى ينحره و ينصرف، فقالت قريش: لا تتكلم بهذا يا أبا يعفور، أو غيرك تكلم بهذا؟ و لكن نردّه عامنا هذا، و يرجع إلى قابل، فقال: ما أراكم تصيبكم قارعة. فانصرف هو و من تبعه إلى الطّائف.
فقام الحليس و هو بمهملتين- مصغّر- ابن علقمة الكناني و كان من رؤوس الأحابيش و لا أعلم له إسلاما فقال: دعوني آتيه. فقالوا: ائته. فلما أشرف على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-
قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «هذا فلان من قوم يعظّمون البدن و في لفظ «الهدى، و يتألّهون، فابعثوها له» فبعثت له، فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي عليها قلائدها، قد أكلت أوبارها من طول الحبس، ترجّع الحنين، و استقبله الناس يلبّون قد أقاموا نصف شهر، و قد تفلوا و شعثوا، صاح و قال: سبحان اللّه «ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت أبى اللّه أن تحج لخم و جذام و كندة و حمير و يمنع ابن عبد المطلب، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت هلكت قريش و ربّ الكعبة. إنّ القوم إنما أتوا عمّارا، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «أجل يا أخا بني كنانة».
و ذكر ابن إسحاق و محمد بن عمر، و ابن سعد: أنه لم يصل إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- لمّا رأى ذلك إعظاما لما رأى فيحتمل أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- خاطبه من بعد، فرجع إلى قريش فقال: إني رأيت ما لا يحل منعه، رأيت الهدي في قلائده قد أكل أوباره معكوفا عن محلّه و الرّجال قد تفلوا و قملوا أن يطوفوا بهذا البيت، و اللّه ما على هذا حالفناكم، و لا عاقدناكم، على أن تصدوا عن البيت من جاءه معظّما لحرمته مؤدّيا لحقه. و ساق الهدى معكوفا أن يبلغ محلّه. و الذي نفسي بيده لتخلّنّ بينه و بين ما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد.
فقالوا: كفّ عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به، و في لفظ اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك، كلّ ما رأيت من محمد مكيدة.