سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣١٩ - ذكر كيفية الوقعة و ما كان من أول الأمر من فرار أكثر المسلمين عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- ثم كانت العاقبة للمتقين، و ما وقع في ذلك من الآيات
لفظة: شبان أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح، فإنّا لمّا حملنا على المشركين انكشفوا، فاقبل الناس على الغنائم، و كانت هوازن رماة فاستقبلتنا بالسهام كأنما رجل جراد، لا يكاد يسقط لهم سهم [١] انتهى.
قال: و كان رجل على جمل له أحمر، بيده راية سوداء على رمح طويل أمام هوازن، و هوازن خلفه، إذا أدرك طعن برمحه، و إن فاته النّاس، رفع رمحه لمن وراءه فاتّبعوه. فبينما هو كذلك إذ هوى له عليّ بن أبي طالب، و رجل من الأنصار يريدانه، فأتاه عليّ بن أبي طالب من خلفه فضرب عرقوبي الجمل، فوقع على عجزه، و وثب الأنصاريّ على الرّجل فضربه ضربة أطنّ قدمه بنصف ساقه، فانجعف عن رحله، و اجتلد الناس، فو اللّه ما رجعت راجعة النّاس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى مكتّفين عند رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم).
قال ابن إسحاق: لما انهزم النّاس و رأى من كان مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- من جفاة أهل مكة الهزيمة تكلّم منهم رجال بما في أنفسهم من الضّغن. قال أبو سفيان بن حرب و كان إسلامه- بعد- مدخولا: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، و إنّ الأزلام لمعه في كنانته، و صرخ جبلة بن الحنبل- و قال ابن هشام: كلدة بن الحنبل- و أسلم بعد ذلك، و هو مع أخيه لأمه صفوان بن أميّة، و صفوان مشرك في المّدة الّتي جعل له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: ألا بطل السّحر اليوم!! فقال له صفوان: اسكت فضّ اللّه فاك! و اللّه أن يربّني رجل من قريش أحبّ إليّ من أن يربّني رجل من هوازن.
و روى محمد بن عمر عن أبي بشير- ككريم- المازني- رضي اللّه عنهم- قال: لمّا كان يوم حنين صلّينا الصّبح، ثمّ رجعنا على تعبئة من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فما شعرنا- و قد كاد حاجب الشّمس أن يطلع، و قد طلع- إلا بمقدمتنا قد كرّت علينا، قد انهزموا، فاختلطت صفوفنا، و انهزمنا مع المقدّمة، و أكر، و أنا يومئذ غلام شابّ، و قد علمت أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- متقدّم فجعلت أقول: يا للأنصار، بأبي و أمّي، عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- تولّون؟ و أكرّ في وجوه المنهزمين، ليس لي همّة إلّا النظر إلى سلامة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- حتى صرت إلى رسول للّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و هو يصيح: «يا للأنصار» فدنوت من دابّته، و التفتّ من ورائها، و إذا الأنصار قد كرّوا كرّة رجل واحد و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- واقف على دابّته في وجوه العدوّ، و مضت الأنصار أمام رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- يقاتلون، و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- سائر معهم يفرّجون العدوّ عنه، حتّى طردناهم فرسخا، و تفرّقوا في الشّعاب، حتّى فلّوا من بين أيدينا، فرجع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- إلى منزله و قبته، و قد ضربت له- و الأسرى مكتّفون حوله، و إذا نفر حول قبّته، و في قبته زوجاته أم
[١] أخرجه البخاري ٧/ ٦٢٢ (٤٣١٧).