سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٣٣ - ذكر إسلام أبي قحافة عثمان بن عامر والد أبي بكر الصديق- رضي اللّه عنهما
من عنقها،
فلما دخل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- المسجد، خرج أبو بكر بأبيه- رضي اللّه عنهما- يقوده، و كان رأس أبي قحافة ثغامة، فلما رآه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قال: «هلّا تركت الشيخ في بيته حتّى أكون أنا آتيه فيه»؟ فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه، فأجلسه بين يدي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فمسح رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- صدره، و قال: أسلم تسلم، فأسلم، ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته فقال: أنشدكم باللّه و الإسلام طوق أختي، فو اللّه ما جاء به أحد، ثم قال الثالثة فما جاء به أحد، فقال: يا أخيّة، احتسبي طوقك، فو اللّه إنّ الأمانة في الناس اليوم لقليل
[١].
و روى البيهقي بسند جيّد قويّ عن ابن وهب قال: أخبرني ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر: أن عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه- أخذ بيد أبي قحافة، فأتى به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فلما وقف به على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قال: غيّروه و لا تقربوه سوادا [٢].
قال ابن وهب: و أخبرني عمر بن محمد عن زيد بن أسلم: أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- هنأ أبا بكر بإسلام أبيه.
و روى الإمام أحمد، و ابن حبّان عن أنس- رضي اللّه عنه- قال: جاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- يوم فتح مكة يحمله حتّى وضعه بين يديه فقال لأبي بكر: «لو أقررت الشّيخ في بيته لأتيناه»- تكرمة لأبي بكر- فأسلم و رأسه و لحيته كالثّغامة، فقال غيروهما قال قتادة هو أول مخضوب في الإسلام. و روى مسلم عن جابر قال: أتى بأبي قحافة عام الفتح و رأسه و لحيته مثل الثغامة فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «غيّروا هذا بشيء و جنبوه السواد».
قال البلاذريّ: و رمى بعض المسلمين أبا قحافة فشجّه، و أخذت قلادة أسماء ابنته، فأدركه أبو بكر و هو يستدمي، فمسح الدّم عن وجهه انتهى.
قالوا: و جاء خالد بن الوليد إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فقال له: «لم قاتلت، و قد نهيت عن القتال»؟ قال: هم يا رسول اللّه بدءونا بالقتال، و رشقونا النّبل، و وضعوا فينا السلاح، و قد كففت ما استطعت، و قد دعوتهم إلى الإسلام، و أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، فأبوا، حتّى إذا لم أجد بدا قاتلتهم فظفّرنا اللّه- تعالى- عليهم، فهربوا في كلّ وجه يا رسول اللّه، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «كفّ عن الطّلب» قال: قد فعلت: فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «قضاء اللّه خير» ثم قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «كفّوا السّلاح إلا خزاعة عن بني بكر إلى صلاة العصر» فخبطوهم
[١] أخرجه الواقدي في المغازي ٢/ ٨٢٤، و البيهقي في الدلائل ٤/ ٩٥.
[٢] أخرجه البيهقي في الدلائل ٤/ ٩٦.