سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٣٧ - ذكر بعض ما دار بين رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و بين بعض المنافقين و تثبيطهم الناس عن الخروج معه
و محمد بن عمر- (رحمهم اللّه تعالى)- عن شيوخهم [١] زاد ابن عقبة: أن الجدّ بن قيس أتى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و هو في المسجد معه نفر، فقال: يا رسول اللّه ائذن لي في القعود، فإني ذو ضبعة و علّة فيها عذر لي، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «تجهّز فإنّك موسر»، ثم اتفقوا فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «تجهز تجهز فإنك موسر، لعلّك تحقب من بنات بني الأصفر؟» قال الجدّ: أو تأذن لي و لا تفتنّي، فو اللّه لقد عرف قومي ما أحد أشد عجبا بالنساء منّي، و إني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألّا أصبر عنهن، فأعرض عنه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و قال: «قد أذنّا لك»
زاد محمد بن عمر- (رحمه اللّه تعالى)- فجاءه ابنه عبد اللّه بن الجدّ- و كان بدريّا- و هو أخو معاذ بن جبل لأمه، فقال لأبيه: لم تردّ على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- مقالته فو اللّه ما في بني سلمة أحد أكثر مالا منك، فلا تخرج و لا تحمل؟! فقال: يا بنيّ ما لي و للخروج في الريح و الحرّ الشديد و العسرة إلى بني الأصفر، فو اللّه ما آمن- خوفا- من بني الأصفر و أنا في منزلي، أ فأذهب إليهم أغزوهم؟! إني و اللّه يا بني عالم بالدوائر، فأغلظ له ابنه و قال: لا و اللّه و لكنّه النفاق، و اللّه لينزلن على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فيك قرآن يقرأ به، فرفع نعله فضرب به وجه ولده، فانصرف ابنه و لم يكلمه، و أنزل اللّه تعالى: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَ لا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [التوبة ٤٩] أي إن كان إنما خشي الفتنة من نساء بني الأصفر، و ليس ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة أكبر بتخلفه عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و الرغبة بنفسه عن نفسه، يقول: و إن جهنم لمن ورائه.
و جعل الجدّ و غيره من المنافقين يثبّطون المسلمين عن الخروج، قال الجدّ لجبّار بن صخر و من معه من بني سلمة: لا تنفروا في الحر، زهادة في الجهاد، و شكّا في الحق، و إرجافا برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فأنزل اللّه سبحانه و تعالى فيهم وَ قالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ. فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَ لْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [التوبة ٨١، ٨٢].
و روى ابن هشام- (رحمه اللّه تعالى)- عن عبد اللّه بن حارثة- رضي اللّه تعالى عنه- قال: بلغ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- أنّ ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبّطون الناس عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- في غزوة تبوك، فبعث إليهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- طلحة بن عبيد اللّه- رضي اللّه عنه- في نفر من أصحابه، و أمره أن يحرق عليهم بيت سويلم اليهودي ففعل طلحة، و اقتحم الضّحّاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله و اقتحم أصحابه فأفلتوا.
[١] أخرجه البيهقي في السنن ٩/ ٣٣ و في الدلائل ٥/ ٢٢٥ و انظر الدر المنثور ٣/ ٢٤٨.