سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧٦ - ذكر حديث كعب بن مالك و أصحابه- رضي اللّه عنهم
أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلّ على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلى كتابا من ملك غسّان، و عند ابن أبي شيبة: من بعض من بالشام كتب إلى كتابا في سرقة حرير فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك فأقصاك و لم يجعلك اللّه بدار هوان و لا مضيعة، فإن تك متحولا فالحق بنا نواسيك. فقلت: لما قرأتها: و هذا أيضا من البلاء، قد طمع في أهل الكفر، فتيممت بها التّنّور فسجرته بها.
و عند ابن عائذ: أنه شكا قدره إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و قال: ما زال إعراضك عني حتى رغب فيّ أهل الشرك، قال كعب: حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- يأتيني. قال محمد بن عمر: و هو خزيمة بن ثابت، و هو الرسول إلى مرارة و هلاك بذلك. قال كعب: فقال: إن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- يأمرك أن تعتزل امرأتك: أي عمرة بنت حمير ابن صخر بن أمية الأنصارية أو خيرة- بفتح الخاء المعجمة فالتحتانية- فقلت: أطلّقها أو ما ذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها و لا تقربها، و أرسل إلى صاحبي مثل ذلك. فقلت لامرأتي الحقي بأهلك، فتكوني عندهم حتى يقضي اللّه في هذا الأمر. قال كعب: و جاءت امرأة هلال بن أمية، أي خولة بنت عاصم لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فقالت: يا رسول اللّه، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم- و عند ابن أبي شيبة: إنه شيخ قد ضعف بصره- انتهى. فهل تكره أن أخدمه؟ قال:
«لا، و لكن لا يقربك» قالت: إنه و اللّه ما به حركة إلى شيء!! و اللّه ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. قال كعب: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- في امرأتك كما أذن لهلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: و اللّه لا أستأذن فيها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و ما يدريني ما يقول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- إذا استأذنته فيها، و أنا رجل شاب، فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- عن كلامنا.
و عند عبد الرزاق: و كانت توبتنا نزلت على النبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- ثلث الليل- فقالت أم سلمة:
يا نبي اللّه ألا نبشّر كعب بن مالك؟ قال: إذا يحطمكم الناس و يمنعونكم النوم سائر الليلة
قال:
و كانت أم سلمة تجيئه في ثاني عشرة بأمري فلمّا صلّيت الفجر صبح خمسين ليلة و أنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال الذي ذكره اللّه تعالى قد ضاقت عليّ نفسي و ضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوتا صارخا أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر- و عند محمد بن عمر- (رحمه اللّه تعالى)- أن الذي أوفى على سلع أبو بكر الصديق- رضي اللّه عنه- فصاح: قد تاب اللّه- تعالى- على كعب، يا كعب:
أبشر. و عند ابن عقبة أن رجلين سعيا يريدان كعبا يبشرانه، فسبق أحدهما، فارتقى المسبوق على سلع فصاح يا كعب، أبشر بتوبة اللّه- تعالى- و قد أنزل اللّه- تعالى- عز و جل فيكم القرآن، و زعموا أن اللذين سعيا أبو بكر و عمر، قال كعب: فخررت ساجدا أبكي فرحا بالتوبة،