سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٦٣ - ذكر إرادة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- الانصراف من تبوك إلى المدينة، و ما وقع في ذلك من الآيات، و قدر إقامته- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بتبوك
أجمع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- السير من تبوك أرمل النّاس إرمالا، فشخص على ذلك من الحال.
انتهى.
قال أبو هريرة: فقالوا: يا رسول اللّه لو أذنت لنا فننحر نواضحنا فأكلنا و ادّهنّا؟ قال شيوخ محمد بن عمر: فلقيهم عمر بن الخطاب و هم على نحرها فأمرهم أن يمسكوا عن نحرها، ثم دخل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- في خيمة له ثم اتفقوا فقال يا رسول اللّه أ أذنت للناس في نحر حمولتهم يأكلونها؟ قال شيوخ محمد: فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «شكوا إلّي ما بلغ منهم الجوع فأذنت لهم ينحر الرّفقة البعير و البعيرين و يتعاقبون فيما فضل منهم فإنهم قافلون إلى أهليهم»- انتهى. فقال عمر: يا رسول اللّه لا تفعل، فإن يك في الناس فضل من الظّهر يكن خيرا، فالظهر اليوم رقاق انتهى. و لكن يا رسول اللّه ادع بفضل أزوادهم، ثم اجمعها، و ادع اللّه تعالى فيها بالبركة لعلّ اللّه تعالى أن يجعل فيها البركة. زاد شيوخ محمد كما فعلت في منصرفنا من الحديبية حين أرملنا، فإن اللّه تعالى مستجيب لك انتهى، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «نعم» فدعا بنطع فبسط- قال شيوخ محمد: بالأنطاع فبسطت- و نادى منادي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-:
من كان عنده فضل من زاد فليأت به- انتهى فجعل الرجل يأتي بكف ذرة، و يجيء الآخر بكفّ تمر، و يجيء الآخر بكسرة. و قال شيوخ محمد: و جعل الرجل يأتي بالدقيق أو التمر أو القبضة من الدقيق و السويق و التمر و الكسر فيوضع كل صنف من ذلك على حدة و كل ذلك قليل و كان جميع ما جاءوا به من السويق و الدقيق و التمر ثلاثة أفراق حزرا- و الفرق ثلثة آصع.
انتهى قال: فجزأنا ما جاءوا به فوجدوه سبعة و عشرين صاعا. قال شيوخ محمد: ثم قام رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فتوضأ و صلى ركعتين ثم دعا اللّه تعالى أن يبارك فيه. قال عمر: فجلس رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- إلى جنبه فدعا فيه بالبركة، ثم قال: «أيها الناس خذوا و لا تنتهبوا» فأخذوه في الجرب و الغرائر، حتى جعل الرجل يعقد قميصه فيأخذ فيه، قال أبو هريرة- رضي اللّه عنه و ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملئوه، و أكلوا حتى شبعوا، و فضلت فضلة. قال شيوخ محمد بن عمر: قال بعض من الصحابة: لقد طرحت كسرة يومئذ من خبز و قبضه من تمر، و لقد رأيت الأنطاع تفيض، و جئت بجرابين فملأت أحدهما سويقا و الآخر خبزا، و أخذت في ثوبي دقيقا كفاني إلى المدينة- قال: فأخذوا حتى صدروا. و إنه نحو ما كانوا يحرزون- قالوا كلهم: فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «أشهد أن لا إله إلا اللّه و أنّي رسول اللّه، لا يأتي بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة» و في لفظ (لا يأتي بها عبد محق إلا وقاه اللّه حر النار)
[١]، و قال جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما كما رواه ابن سعد أقام رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة
[١] المغازي للواقدي ٣/ ١٠٣٨.