سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧ - ذكر إرساله- (صلّى اللّه عليه و سلم)- خراش بن أمية و بعده عثمان بن عفان إلى قريش
و لقيه أبان بن سعيد [١]- و أسلم بعد ذلك، فرحّب به أبان و أجاره، و قال: لا تقصر عن حاجتك، ثم نزل عن فرس كان عليه فحمل عثمان على السّرج و ردف وراءه و قال:
أقبل و أدبر لا تخف أحدا* * * بنو سعيد أعزّة الحرم
فدخل به مكّة، فأتى عثمان أشراف قريش- رجلا رجلا- فجعلوا يردّون عليه: إنّ محمّدا لا يدخلها علينا أبدا، و دخل على قوم مؤمنين من رجال و نساء مستضعفين بمكة فقال:
إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- يقول: قد أظلّكم حتى لا يستخفى بمكة اليوم بالإيمان،
ففرحوا بذلك، و قالوا: اقرأ على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- السّلام.
و لمّا فرغ عثمان من رسالة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- إلى قريش قالوا له: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و أقام عثمان بمكة ثلاثا يدعو قريشا.
و قال المسلمون- و هم بالحديبية، قبل أن يرجع عثمان-: خلص عثمان من بيننا إلى البيت فطاف به،
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «ما أظنّه طاف بالبيت و نحن محصورون»،
و قالوا:
و ما يمنعه يا رسول اللّه و قد خلص إليه قال: «ذلك ظنيّ به ألّا يطوف بالكعبة حتى نطوف»، و عند ابن جرير و ابن أبي حاتم عن سلمة بن الأكوع- مرفوعا- «لو مكث كذا كذا سنة ما طاف حتى أطوف» فلمّا رجع عثمان إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قال المسلمون له: اشتفيت من البيت يا أبا عبد اللّه!! فقال عثمان: بئس ما ظننتم بي! فو الذي نفسي بيده لو مكثت مقيما بها سنة و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- مقيم بالحديبية ما طفت حتى يطوف رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و لقد دعتني قريش إلى أن أطوف بالبيت فأبيت. فقالوا: كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- أعلمنا و أحسننا ظنا.
و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- يأمر أصحابه بالحراسة باللّيل، فكانوا ثلاثة يتناوبون الحراسة:
أوس بن خوليّ- بفتح الخاء المعجمة و الواو- و عبّاد بن بشر، و محمد بن مسلمة- رضي اللّه عنهم- و كان محمد بن مسلمة على حرس رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- ليلة من الليالي، و عثمان بن عفان بمكة. و قد كانت قريش بعثت ليلا خمسين رجلا، عليهم مكرز بن حفص، و أمروهم أن يطوفوا بالنّبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- رجاء أن يصيبوا منهم أحدا، أو يصيبوا منهم غرّة، فأخذهم محمد بن
[١] أبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي ... قال البخاري و أبو حاتم الرازي و ابن حبان له صحبة و كان أبوه من أكابر قريش و له أولاد نجباء أسلم منهم قديما خالد و عمرو فقال فيهما أبان الأبيات المشهورة التي أولها.
ألا ليت ميتا بالظّريبة شاهد* * * لما يفتري في الدين عمرو و خالد
الإصابة ١/ ١٠.