سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٩ - تنبيهات
- (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا يصلّينّ أحد العصر إلّا في بني قريظة» [١]. إلخ. و وافق البخاري على لفظ العصر من طريق جويرية الإسماعيليّ، و أبو نعيم من طريق أبي حفص السلمي عن جويرية و أصحاب المغازي. و رواه الطبرانيّ، و البيهقي في الدّلائل بإسناد صحيح إلى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن كعب بن مالك عن عمّه عبيد اللّه بن كعب. و رواه الطبراني أيضا من هذا الوجه موصولا بذكر كعب بن مالك و البيهقي عن عائشة- رضي اللّه عنها- و رواه مسلم عن عبد اللّه بن محمد بن أسماء بسنده و قال: «لا يصلّينّ أحد الظّهر إلّا في بني قريظة» [٢]. و وافقه ابن سعد، و أبو يعلى، و ابن حبّان، و أبو نعيم من غير طريق أبي حفص السابق،
قال الحافظ: و لم أره عن جويرية- من غير طريق أبي حفص السلمي إلّا بلفظ الظهر، و جمع بينهما باحتمال أن يكون بعضهم قبل الأمر كان صلّى الظّهر، و بعضهم لم يصلّها. فقيل لمن لم يصلّها، لا يصلّينّ أحد الظّهر، و لمن صلّاها لا يصلّينّ أحد العصر. أو أن طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطّائفة الأولى الظّهر، و التي بعدها العصر.
قال الحافظ: و هو جمع لا بأس به، لكن يبعده اتحاد مخرج الحديث، لأنّه عند الشيخين كما بيناه بإسناد واحد من مبدئه إلى منتهاه، فيبعد أن يكون كلّ من رجال إسناده حدّث به.
على الوجهين إذ لو كان كذلك لحمله واحد منهم عن بعض رواته، و سبق الكلام على ذلك، ثم قال: هذا كلّه من حيث حديث ابن عمر، أما بالنظر إلى حديث غيره فالاحتمالان المتقدمان في كونه قال «الظّهر» لطائفة متجه فيحتمل أن رواية «الظهر» هي التي سمعها ابن عمر، و رواية «العصر» هي التي سمعها كعب بن مالك، و عائشة- رضي اللّه عنهما- و قيل في وجه الجمع أيضا
أن يكون- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قال لأهل القوّة، أو لمن كان منزله قريبا «لا يصلّين أحد الظّهر»
و قال لغيرهم: «لا يصلّين أحد العصر».
الثّالث: أغرب ابن التين فادّعى أن الذين صلوا «العصر» صلّوا على ظهور دوابهم، و استند إلى أن النزول إلى الصلاة ينافي مقصود الإسراع في الوصول. قال: فأما الذين لم يصلّوها عملوا بالدليل الخاصّ و هو الأمر بالإسراع فتركوا عموم إيقاع «العصر» في وقتها إلى أن فات، و الذين صلّوا جمعوا بين دليلي وجوب الصّلاة و وجوب الإسراع فصلّوا ركبانا، لأنهم لو صلّوا نزولا لكان مضادا لما أمروا به من الإسراع، و لا يظن ذلك بهم مع ثقوب أفهامهم قال الحافظ: و فيه نظر، لأنه لم يأمرهم بترك النّزول، فلعلهم فهموا أن المراد بأمرهم ألا يصلّوا العصر إلّا في بني قريظة المبالغة في الأمر بالإسراع، فبادروا إلى امتثال أمره و خصوا وقت
[١] أخرجه البخاري في صلاة الخوف حديث (٩٤٦).
[٢] مسلم في الجهاد باب ٢٣ رقم (٦٩) و ابن سعد ٢/ ١/ ٥٤ و البيهقي في دلائل النبوة ٤/ ٦.