سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١١٧ - الباب الرابع و العشرون في غزوة خيبر
روى الحارث بن أبي أسامة عن أبي أمامة، و البيهقي عن ثوبان- رضي اللّه عنهما- أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قال في غزوة خيبر: «من كان مضعّفا أو مصعّبا فليرجع». و أمر بلالا فنادى بذلك، فرجع ناس، و في القوم رجل على صعب، فمر من اللّيل على سواد فنفر به فصرعه فلما جاءوا به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قال: «ما شأن صاحبكم؟» فأخبروه، فقال: «يا بلال، ما كنت أذّنت في النّاس، من كان مضعّفا أو مصعّبا فليرجع»؟ قال: نعم. فأبى أن يصلي عليه. زاد البيهقي، و أمر بلالا فنادى في الناس «الجنة لا تحل لعاص» ثلاثا
[١].
قال محمد بن عمر: و بينا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- في الطريق في ليلة مقمرة إذ أبصر رجلا يسير أمامه عليه شيء يبرق في القمر كأنه في شمس و عليه بيضة فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-:
«من هذا»؟ فقيل: أبو عبس بن جبر فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «أدركوه قال: فأدركوني فحبسوني، فأخذني ما تقدم و ما تأخر، فظننت أنّه قد أنزل فيّ أمر من السّماء، فجعلت أتذكّر ما فعلت حتى لحقني رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فقال: «ما لك تقدّم النّاس لا تسير معهم»؟ قلت: يا رسول اللّه: إنّ ناقتي نجيبة، قال: فأين الشّقيقة التي كسوتك» قلت يا رسول اللّه: بعتها بثمانية دراهم، فتزودت بدرهمين و تركت لأهلي درهمين، و ابتعت هذه البردة بأربعة دراهم،. فتبسّم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- ثم قال: «أنت و اللّه يا أبا عبس و أصحابك من الفقراء و الّذي نفسي بيده، لئن سلمتم و عشتم قليلا ليكثرنّ زادكم، و ليكثرنّ ما تتركون لأهليكم و لتكثرنّ دراهمكم و عبيدكم و ما ذلك لكم بخير».
قال أبو عبس: فكان و اللّه كما قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-.
قال سويد بن النّعمان- رضي اللّه عنه-: إن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- لمّا وصل إلى الصّهباء- و هي أدنى خيبر- صلّى العصر، ثمّ دعا بالأزواد، فلم يؤت إلّا بالسويق، فأمر به فثرّي فأكل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و أكلنا معه، ثم قام إلى المغرب فمضمض و مضمضنا ثم صلّى و لم يتوضأ.
رواه البخاري، [٢] و البيهقي.
زاد محمد بن عمر: ثم صلى بالناس العشاء، ثم دعا بالأدلاء فجاء حسيل بن خارجة و عبد اللّه بن نعيم الأشجعي فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- لحسيل: يا حسيل:
امض أمامنا حتى تأخذ بنا صدور الأودية حتى تأتي خيبر من بينها و بين الشام، فأحول بينهم و بين الشام و بين حلفائهم من غطفان» فقال حسيل: أنا أسلك بك، فانتهى به إلى موضع له طرق، فقال: يا رسول اللّه إن لها طرقا تؤتى منها كلها. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «سمّها لي» و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- يحبّ الفأل الحسن و الاسم الحسن، و يكره الطّيرة، و الاسم القبيح، فقال: لها طريق يقال لها حزن، و طريق يقال لها: شاش، و طريق يقال لها حاطب، فقال
[١] الطبراني في الكبير ٧/ ٢٢٧.
[٢] أخرجه البخاري ٧/ ٥٢٩ (٤١٩٥).