سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧٢ - تنبيهات
اللّه- تعالى- في الموضعين أنّه سيدخل في الإسلام خلق منهم، و سيخرج من أصلابهم ناس يسلمون و يجاهدون. و كان بمكة في الحديبية جمع كثير مؤمنون من المستضعفين من الرّجال و النّساء و الولدان، فلو طرق الصحابة مكّة لما أمن أن يصاب منهم ناس بغير عمد كما أشار إلى ذلك تبارك و تعالى- في قوله: وَ لَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَ نِساءٌ مُؤْمِناتٌ [الفتح ٢٥] الآية.
الثامن: استبعد المهلب جواز إطلاق حابس الفيل على اللّه عز و جل، و قال: المراد حبسها أمر اللّه سبحانه و تعالى. و تعقّب بأنه يجوز إطلاق ذلك في حقّ اللّه- تعالى- فيقال:
حبسها اللّه حابس الفيل، و إنما الذي يمكن أن يمنع تسميته- تعالى- حابس الفيل و نحوه، كما أجاب به بن المنير، و هو مبنيّ على الصّحيح من أنّ الأسماء توقيفيّة.
و قد توسّط الغزاليّ و طائفة فقالوا: محلّ المنع ما لم يرد نص بما يشتقّ منه بشرط ألّا يكون ذلك الاسم المشتقّ منه مشعرا بنقص، فيجوز تسميته بالواقي وَ مَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ [غافر ٩] و لا يجوز تسميته البنّاء و إن ورد في قوله تعالى: وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ [الذاريات ٤٧] التاسع:
في قوله- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «حبسها حابس الفيل»
جواز التّشبيه من الجهة العامّة، و إن اختلفت الجهة الخاصّة، لأن أصحاب الفيل كانوا على باطل محض، و أصحاب هذه النّاقة كانوا على حقّ محض، و لكن جاز التّشبيه من جهة إرادة اللّه- تعالى- منع الحرم مطلقا، أما من أهل الباطل فواضح، و أمّا من أهل الحقّ فللمعنى الّذي تقدّم ذكره في الرابع.
العاشر:
قوله- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «و الّذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم خطّة ..
. إلى آخره». قال السّهيلي (رحمه اللّه): لم يقع في شيء من طرق الحديث، أنه قال إن شاء اللّه- تعالى- مع أنّه مأمور في ذلك في كلّ حال.
قال: و الجواب عن ذلك أنه كان أمرا واجبا حتما، فلا يحتاج معه للاستثناء، و تعقب بأنّه- تعالى- قال في هذه القصّة لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ فقال: إن شاء اللّه، مع تحقيق وقوع ذلك تعليما و إرشادا، فالأولى أن يحمل على أنّ الاستثناء سقط من الراوي، أو كانت القصّة قبل نزول الأمر بذلك، و لا يعارضه كون الكهف مكّية، إذ لا مانع من أن يتأخّر نزول بعض السّورة،
و في قوله- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «و الّذي نفسي بيده»
إلخ تأكيد القول باليمين ليكون أدعى إلى القبول. و قد حفظ عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- الحلف في أكثر من ثمانين موضعا، كما سيأتي بسط ذلك في بابه.
الحادي عشر: في حديث البراء في شفير بئر الحديبية أنّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- توضّأ فمضمض