سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦٧ - ذكر ما أنزل اللّه سبحانه و تعالى في شأن غزوة الحديبية قال اللّه سبحانه و تعالى
لِتَأْخُذُوها هي مغانم خيبر، فإنه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- لمّا رجع من الحديبية أقام بالمدينة مدة ثم غزا خيبر بمن شهد الحديبية ففتحها، و غنم أموالا كثيرة فخصّها بهم ذَرُونا اتركونا نَتَّبِعْكُمْ لنأخذ منها يُرِيدُونَ بذلك أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ و قرأ حمزة و الكسائيّ بكسر الكاف، و هو جمع كلام- أي مواعيده بغنائم خيبر أهل الحديبية خاصة قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا نفى بمعنى النهي كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ أي من قبل عودنا فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا أن نصيب معكم من الغنائم فقلتم ذلك بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ يعلمون من الدين إِلَّا قَلِيلًا منهم قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ المذكورين اختيارا سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ أصحاب شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ حال مقدّرة- هي المدعو إليها في المعنى أَوْ هم يُسْلِمُونَ فلا يقاتلون فَإِنْ تُطِيعُوا إلى قتالهم يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً هو الغنيمة في الدنيا، و الجنة في الآخرة وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ عن الحديبية يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً مؤلما لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ إثم في ترك الجهاد وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ بالياء و النون جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فصّل الوعد و أجمل الوعيد مبالغة في الوعد لسبق رحمته ثم جمل ذلك بالتكرار على سبيل التّعميم فقال: وَ مَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ كذلك عَذاباً أَلِيماً إِذ الترهيب هنا أنفع من التّرغيب.
ثم ذكر- تعالى- من بايع تحت الشجرة فقال عزّ و جلّ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ بالحديبية تَحْتَ الشَّجَرَةِ هي سمرة كما رواه ابن جرير و ابن أبي حاتم عن سلمة، أو سدرة كما رواه مسلم عن جابر فَعَلِمَ اللَّه تعالى ما فِي قُلُوبِهِمْ من الصدق و الوفاء فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ الطمأنينة و سكون النفس بالتشجيع عَلَيْهِمْ ثم ذكر ما أثابهم عن ذلك فقال: وَ أَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً هو فتح خيبر بعد انصرافهم من الحديبية وَ مَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها من يهود خيبر، و كانت خيبر ذات عقار و أموال، فقسّمها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بينهم وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً غالبا حَكِيماً أي لم يزل متّصفا بذلك وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها من الفتوحات التي تفتح لكم إلى يوم القيامة فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ غنيمة خيبر، ثمّ ذكّرهم نعمته عليهم بكفّ أيدي العدوّ عنهم فقال تعالى: وَ كَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ في عيالكم لمّا خرجتم و همّت بهم اليهود، فقذف اللّه- عزّ و جل- في قلوبهم الرّعب، و قيل:
كفّ أيدي أهل مكّة بالصلح وَ لِتَكُونَ هذه الكفّة أو الغنيمة المعجلة- عطفا على مقدّر أي لتشكروه آيَةً علامة لِلْمُؤْمِنِينَ يعرفون بها أنهم من اللّه- تعالى- بمكان، أو صدق رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- في وعدهم فتح خيبر حين رجوعه من الحديبية وَ يَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً أي طريق التّوكل عليه، و تفويض الأمر إليه- تعالى- وَ أُخْرى صفة مغانم،