سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢١٢ - ذكر خروجه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- من المدينة قاصدا مكة
و لا تجزعوا منها فإنّ سيوفنا* * * لها وقعة بالموت يفتح بابها
قال ابن إسحاق: و قول حسّان- رضي اللّه عنه: بأيدي رجال لم يسلّوا سيوفهم: يعني قريشا، و ابن أم مجالد، عكرمة بن أبي جهل.
و استخلف رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين الغفاري، و يقال ابن أم مكتوم، و ذكره ابن سعد، و البلاذري، و الأوّل هو الصحيح، و قد رواه الإمام أحمد و الطبراني بسند حسن عن ابن عباس- رضي اللّه عنهما [١].
ذكر خروجه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- من المدينة قاصدا مكة
قال محمد بن عمر- (رحمه اللّه تعالى)- خرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- يوم الأربعاء بعد العصر لعشر خلون من رمضان، و نادى مناديه: «من أحبّ أن يصوم فليصم، و من أحبّ أن يفطر فليفطر» و صام رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فما حلّ عقدة حتّى انتهى إلى الصلصل، و خرج في المهاجرين و الأنصار، و طوائف من العرب، و قادوا الخيل، و امتطوا الإبل، و قدّم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- أمامه الزّبير بن العوّام في مائتين من المسلمين، و
لما بلغ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- البيداء قال فيما رواه محمد بن عمر عن أبي سعيد الخدريّ: «إني لأرى السّحاب يستهل بنصر بني كعب»
[٢].
و لما دخل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- العرج [٣] و هو صائم، صبّ الماء على رأسه و وجهه من العطش- كما رواه الإمام مالك، و محمد بن عمر عن رجل من الصحابة- و روى الحاكم في الإكليل بسند صحيح عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- قال: «رأيت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بالعرج يصبّ الماء على رأسه من الحرّ و هو صائم»، و لما سار رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- عن العرج- و كان فيما بين العرج و الطّلوب- نظر إلى كلبة تهرّ عن أولادها، و هنّ حولها يرضعنها، فأمر جميل بن سراقة- رضي اللّه عنه- أن يقوم حذاءها، لا يعرض لها أحد من الجيش، و لا لأولادها.
و قدم- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بمائة جريدة تكون أمام المسلمين، فلما كانوا بين العرج و الطّلوب أتوا بعين من هوازن، فاستخبره رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فأخبره أنّ هوازن تجمع له
فقال: «حسبنا اللّه و نعم الوكيل»
فأمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- خالد بن الوليد أن يحبسه لئلا يذهب فيحذر الناس، و لما بلغ قديدا [٤] لقيته سليم هناك، فعقد الألوية و الرّايات، و دفعها إلى القبائل.
[١] قال الهيثمي في المجمع ٦/ ١٦٧ رجاله رجال الصحيح.
[٢] انظر المغازي للواقدي ٢/ ٨٠١.
[٣] (العرج) بفتح أوله، و سكون ثانيه، و جيم: قرية جامعة في واد من نواحي الطائل. و قيل: واد به. مراصد الإطلاع ٢/ ٩٢٨.
[٤] (قديد) تصغير قدّ: اسم موضع قرب مكة. مراصد الإطلاع ٣/ ١٠٧٠.