سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٧٠ - تنبيهات
أسأله كم صلّى على أنه لم يسأله لفظا و لم يجبه لفظا و إنما استفاد منه صلاة ركعتين بإشارته لا بنطقه، و أما قوله في رواية أخرى: و نسيت أن أسأله كم صلى» فيحمل على أن مراده أنّه لم يتحقق هل زاد على ركعتين أولا؟، و قال شيخه الحافظ أبو الفضل العراقي: فيحتمل أن ابن عمر و إن كان سمع من بلال أنّه صلّى ركعتين لم يكتف بذلك في أنه لم يصلّ غيرهما، لأنّ من صلّى أربعا أو أكثر، يصدق عليه أنّه صلّى ركعتين على القول بأنّ مفهوم العدد ليس بحجّة كما هو المرجّح في الأصول، فلعلّ الذي نسي أن يسأل عنه بلالا في أنّه هل زاد على ركعتين بشيء أم لا؟. قال الحافظ ابن حجر: و أمّا قول بعض المتأخرين: يجمع بين الحديثين بأنّ ابن عمر سأل بلالا، ثم لقيه مرّة أخرى، فسأله، ففيه نظر من وجهين: أحدهما أنّ الذي يظهر أنّ القصّة و هو سؤال ابن عمر عن صلاته في الكعبة لم يتعدد، لأنه أتى في السّؤال بالفاء المعقّبة في الرّوايتين معا، فدّل على أنّ السؤال عن ذلك كان واحدا في وقت واحد. ثانيهما أنّ راوي قول ابن عمر «نسيت» هو نافع مولاه، و يبعد مع طول ملازمته له إلى وقت موته أن يستمرّ على حكاية النسيان، و لا يتعرض لحكاية التذكر لقدر صلاته- و اللّه تعالى أعلم.
الثامن عشر: قال الحافظ: لا يعارض إثبات أسامة في رواية ابن عمر عنه أنّ النّبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- صلّى في البيت ما رواه ابن عبّاس عن أسامة أنّ النّبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- لم يصلّ في البيت لإمكان الجمع بينهما، لأن أسامة حين أثبتها اعتمد في ذلك على غيره، و حيث نفاها أراد ما في علمه بكونه لم يره- (صلّى اللّه عليه و سلم)- حين صلّى، و قال الحافظ في موضع آخر: تعارضت الرواية عن أسامة في ذلك فتترجّح رواية بلال من جهة أنه مثبت و غيره ناف، و من جهة أنّه لم يختلف عليه في الإثبات، و اختلف على من نفى.
و قال الإمام النّوويّ و غيره: يجمع بين إثبات بلال، و نفي أسامة بأنهم لمّا دخلوا الكعبة اشتغلوا بالدّعاء، فرأى أسامة النبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- يدعو، فاشتغل أسامة بالدّعاء في ناحية، و النّبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- في ناحية، ثم صلّى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فرآه بلال لقربه منه و لم يره أسامة لبعده منه و اشتغاله بالدّعاء، و لأن بإغلاق الباب تكون ظلمة مع احتمال أن يحجبه بعض الأعمدة، فنفاها عملا بظنه.
و قال الإمام المحب الطبريّ: يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة فلم يشهد صلاته- انتهى. و يشهد له ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده بإسناد جيّد رجاله ثقات عن ابن أبي ذؤيب عن عبد الرحمن بن مهران عن عمير مولى ابن عبّاس عن أسامة قال:
«دخلت مع النّبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- في الكعبة فرأى صورا، فدعا بدلو من ماء، فأتيته به، فضرب به الصّور»، قال القرطبي فلعله [استصحب النّفي] بسرعة عوده انتهى قلت: هو مفرّع على أن هذه